الصفحة 43 من 49

الآية 172، والآية 173: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} : يعني واذكر - أيها الرسول - حين استخرَجَ ربك أولاد آدم مِن ظهور آبائهم، {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} : يعني وقرَّرَهم تعالى بتوحيده - بما خَلَقَهُ في فِطْراتهم مِن أنه ربهم وخالقهم -، فقال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} ؟، فأنطقهم سبحانه بقدرته التي لا يُعجزها شيء، فـ {قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} : أي فأقرُّوا له بذلك، فقال اللهُ لهم: {أَنْ تَقُولُوا} : يعني قد أقرَرْتُكُم بذلك حتى لا تقولوا {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا} الإقرار {غَافِلِينَ} ، وتُنكِروا ذلك العهد الذي أخذتُهُ عليكم بالتوحيد، {أَوْ تَقُولُوا} أي: وحتى لا تقولوا أيضًا: {إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} : يعني إنما أشرك آباؤنا مِن قبلنا ونقضوا هذا العهد، فاقتدينا بهم مِن بعدهم، {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} : يعني أفتعذبنا بما فعل الذين أبطلوا أعمالهم وأحبطوها (لاتِّخاذهم شركاءَ معك في العبادة) ؟

? فبهذا وَضَّح لهم سبحانه أنّ تقليدهم للآباء بغير عِلمٍ أو دليل ليسَ عُذرًا مقبولًا عند اللهِ يوم القيامة (بعد أن كانَ في أصل فِطرَتهم: العِلم بوحدانية اللهِ تعالى) ، لأنّ الشِرك بعد العِلم، صارَ إمّا عن تَعَمُّد وإمّا عن تقصير.

الآية 174: {وَكَذَلِكَ} : يعني ومِثل هذا التفصيل الوارد في هذه السورة: {نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ} ونُبَيِّنها، تذكيرًا للناس وتعليمًا لهم {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى التوحيد الخالص الذي فَطَرهم اللهُ عليه.

? فإنّ اللّهَ تعالى قد فَطَرَ عباده على دين الإسلام الواضح الذي لا عِوَجَ فيه، ولكنّ الفِطرة قد تتغير وتتبدل بما يأتي عليها من العقائد الفاسدة، فقد قال صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين: (ما مِن مَوْلودٍ إلا يُولَدُ على الفِطرة، فأبَوَاهُ يُهَوِّدانِه -(أي يَجعلانه يهوديًا) - أو يُنَصِّرانِه - (أي يَجعلانه نَصرانيًا) - أو يُمَجِّسانِه) - (أي يَجعلانه مَجُوسِيًّا) .

الآية 175، والآية 176: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا} : يعني واقصُص - أيها الرسول - على قومك خبرَ رَجُلٍ أعطيناه حُجَجَنا وأدِلَّتَنا، وفهَّمناهُ أحكام ديننا {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} : يعني فتعَلَّمَها، ثم تركها وراءَ ظهره، ولم يعمل بها {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} : أي فأدرَكَهُ الشيطان واستحوذَ عليه، {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} : يعني فصارَ من الضالين الهالكين، بسبب مُخالفته لأمْر ربه وطاعته للشيطان.

? ثم قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا} أن نرفع قدْرَهُ - في الدنيا والآخرة - بما آتيناه من الآيات: {لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} : يعني ولكنه رَكَنَ إلى الدنيا، {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} وشهواته، وفضلهما على الآخرة {فَمَثَلُهُ} : أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت