الصفحة 38 من 57

وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينا واضحا في آيات أخر كقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّل عَلَيْهِ} الآية، وإلى غير ذلك من الآيات ا. ه. [1]

فمن مقتضى حمد اللّه الذي استوجبه سبحانه على عباده بربوبيته، ورحمته، أن يفرد بالعبودية، وأن يختص بالعبادة، فلا متوجّه إلا إليه، ولا لجوء إلا له، ولا معول إلا عليه. «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ، فَادْعُوهُمْ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (194: الأعراف) .

وفي التعبير هنا براعة في الأداء وبلاغة في الأسلوب لا تدانى ..

وكما قال العلامة أبو السعود بما حاصله: التفات من الغيبة إلى الخطاب، وتلوينٌ للنظم من بابِ إلى بابٍ، يجري به على نهج البلاغة في تنويع الكلام، وسلوك مسلَكِ البراعة حسبما يقتضي المقام .. وذلك أن التنقلَ من أسلوبٍ إلى أسلوب أنفعُ وأقوى في استجلاب النفوسِ واستمالةِ القلوب .. كما في قوله عز وجل {والله الذى أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَابًا} الآية وقولُه تعالى {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ في الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم} إلى غير ذلك من الالتفاتات الواردةِ في التنزيل لأسرارٍ تقتضيها ومزايا تستدعيها. ا. ه. [2]

(وقد وردت الصيغة بلفظ الجمع «نعبد ونستعين» ولم يقل «إياك أعبد وإياك أستعين» بصيغة المفرد وذلك للإعتراف بقصور العبد عن الوقوف في باب ملك الملوك فكأنه يقول: أنا يا رب العبد الحقير الذليل، لا يليق بي أن أقف هذا الموقف في مناجاتك بمفردي، بل أنضم إلى سلك المؤمنين الموحّدين فتقبل دعائي في زمرتهم فنحن جميعًا نعبدك ونستعين بك.) ا. ه. [3]

قلت: ثم إن هذه الجملة الوجيزة الواضحة البسيطة حملت من معاني الدين الأساسية ما يعد اللبنة الأولى في بناء عقيدة المسلم، والضابط الأهم لمسيرته في الاعتقاد والعمل ...

يقول القاسمي رحمه الله: (وفيه إعلام بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله تعالى وتخليصها لعبادته وحده. أعني: أن لا يشرك شيئا ما معه، لا في محبته كمحبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب، فإن كل ذلك إنما يستحقه فاطر الأرض والسموات وحده.

(1) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/ 6) باختصار.

(2) تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (1/ 16) .

(3) صفوة التفاسير (1/ 21)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت