وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - خاطب مسافرا إلى مقصد فنبهه على أوقات نشاطه ; لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة.
وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة. وقوله في رواية ابن أبي ذئب"القصد القصد"بالنصب فيهما على أسلوبية الإغراء، أى الزموا القصد وعليكم به، والقصد الأخذ بالأمر الأوسط.
ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرة من حيث إنها تضمنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يبين أن الأولى للعامل بذلك أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع. ا. ه.
أقول: نقلت هذا الحديث بشرحه في هذا الفصل المبارك لأبين عظمة هذا الدين، ونبذه للتنطع، ورحمة رب العالمين العظيمة بنا إذ جعله لا دينا ..
هذا الدين هو في الحقيقة إعلان عالمي لحرية الإنسان من العبودية لغيره من بني الإنسان ومن العبودية لرغباته الخاصة، والتي هى أيضا شكل من أشكال عبودية الإنسان للشهوة، بل هو إعلان أن السيادة لله وحده، وأنه هو رب جميع العالمين.
وهو ما يعني تحديا لجميع أنواع وأشكال النظم والاعتقادات والأفكار، والتي تقوم على مفهوم سيادة البشر على البشر، وبعبارة أخرى، حيث بعض الناس قد انتحل - زورا وكفرا- صفة (إله) ، أو وسائط وحجاب لدى (الإله) .
هو تحدي لكل نظام تكون فيه التعاليم والقرارات النهائية والمصيرية في حياة البشر يصنعها بشر مثلهم هم مصدر السلطة التي تؤلههم لتصنع منهم آلهةً على إخوتهم في الإنسانية.
هذا الإعلان الرباني يعنى أن السلطة المنتحلة لبعض البشر والتي هى - في الحقيقة - لله وحده .. يجب أن تعود في قلوب المُستذَلِّين المنكوسين في أنواع العبادات والعقائد الضالة لله وحده ...
باختصار فإن الإسلام يمثل إعلان لسلطة الله تعالى، وهو يعنى القضاء على كل ملكية في الأرض لغير الله الذي يجب أن يبسط الناس - بإيمانهم وتضحيتهم - حكمه على الجميع كما ينبسط رزقه على جميع من في الأرض ..
وذلك كله ينبع من الحقيقة الأسمى التي يعلمها الإسلام الناس .. أنهم جميعا عائدون إلى الله تعالى .. في يومٍ تشخص فيه الأبصار .. ويقف الناس لساعة الحساب .. فيجازى المحسن