وهذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب ; لأنه ليس على شرطه. نعم وصله في كتاب الأدب المفرد، وكذا وصله أحمد بن حنبل وغيره من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وإسناده حسن. استعمله المؤلف (أى البخاري) في الترجمة لكونه متقاصرا عن شرطه، وقواه بما دلَّ على معناه لتناسب السهولة واليسر.
ومنها حديث عروة الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"إن دين الله يسر"، ومنها حديث بريدة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"عليكم هديا قاصدا، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه"رواهما أحمد وإسناد كل منهما حسن.
قوله:"ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه".. والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيُغلَب. قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى المِلال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة ..
وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد"إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخير دينكم اليسرة"وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر.
قوله: (فسددوا) أي: الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل.
قوله: (وقاربوا) أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.
قوله: (وأبشروا) أي: بالثواب على العمل الدائم وإن قل، والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشَّر به تعظيما له وتفخيما.
قوله: (واستعينوا بالغدوة) أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة. والغدوة بالفتح سير أول النهار، وقال الجوهري: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. والروحة بالفتح السير بعد الزوال. والدلجة بضم أوله وفتحه وإسكان اللام سير آخر الليل، وقيل سير الليل كله، ولهذا عبر فيه بالتبعيض ; ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار.