بهذا الحمد للّه تنطق المخلوقات كلها، فهو سبحانه الذي أوجدها من العدم وأعطاها خلقها بين المخلوقات، وقام عليها مدبرا، وحافظا، «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْ ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» (50: طه) ، فحق عليها أن تحمده، وتشكر له، وقد لزمها هذا الحق الذي لا انفكاك لها منه، إن لم تؤده اختيارا أدته اضطرارا، وإن لم يفصح عنه ظاهرها نمّ عليه باطنها: «تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ، وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (44: الإسراء)
هذه هى القاعدة الثانية في استلهام النور الإلهي في القرآن .. وهى الأساس الثاني من أساسات البناء الإيماني العظيم للإسلام ..
ف {الحمد} هو المدح المقرون بالمحبة التامة والتعظيم التام، وهذا مناسب جدًّا للوصف الذي جاء بعد الحمد:) رب العالمين =الربوبية (، فإذا كان الله هو من ربَّى العبد وجب عليه أن يحبَّه، وإذا كان هو القادر عليه وجب عليه تعظيمه. [1]
الحمد هو الثناء بالجميل اختيارًا على واهب الجميل سبحانه، و «الله» علم على الذات الأقدس، واجب الوجود، ذي الجلال والإكرام. وهي جملة خبرية معناها: الشكر لله، وفيها عرفان لله بالفضل والمنّة، كما ورد في الأثر: «يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك» .
ورَبِّ الْعالَمِينَ: الرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح والتربية.
والمتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين، أي جميع الخلائق. قال في تفسير الجلالين: «أي مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدوابّ وغيرهم، وكل منها يطلق عليه عالم يقال له عالم الإنس وعالم الجن، إلى غير ذلك» .
والله سبحانه لم يخلق الكون ليتركه هملا، وإنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه، وكل العوالم إنما حفظها وصلاحها برعاية رب العالمين.
{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) } [فاطر: 41]
(1) ابن القيم - بدائع الفوائد (3/ 132)