بإحسانه، والمسيء بإساءته .. لا يضيع خير ولا ينسى شر ولو كان مثقال ذرة .. ذلك يوم الدين .. كما قال ربنا"يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ" (الانفطار 19) ..
قال ابن عباس رضى الله عنه:"يوم الدين"يوم حساب الخلائق، وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إلا من عَفا عنه، فالأمرُ أمرُه. ثم قال: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [سورة الأعراف: 54] .
هناك لا ملك يقال في حق أحد إلا لله .. وإذا كان ثمة من تسمى بِاسم الملك في الدنيا مجازًا لا حقيقةً، فإن الملك في هذا اليوم هو لله وحده لا يسمى به غيره .."وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا" (طه 108) .."يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" (غافر 16) ..
فالناس في الدنيا يملكون ويحكمون ويتصرفون، فإذا كان يوم القيامة وقف النّاس جميعا للحساب الصغير والكبير، السّوقة والأمير، الوزير والخفير، الملك والأجير، كل الناس قد وقفوا حفاة عراة مجرّدين من كل جاه أو سلطان أو رتبة أو منزلة، وينادي الله سبحانه: لمن الملك اليوم؟ فيكون الجواب: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16) [غافر] .
باختصار فإن المسلم يرقِّيه إسلامه فيعلم الحقيقة الأسمى في الوجود أن لا خالقَ ولا مدبر ولا رازق ولا مالك في الحقيقة إلا الله سبحانه .. وإن تسمى أحد البشر بالملك والتصرف في الدنيا فهو ملك محدود زائل .. ويظل الملك الكامل الدائم الأبدي السرمدي لله الواحد القهار ..
ومن هذه الحقيقة ينطلق المؤمن ليكسر كل أطواق العبودية ويحرر نفسه في توحيده لله .. فلا يخاف ولا يعبد ولا يرجو ولا يستعين ولا يدعو إلا الله تعالى ..
وهذا الاستعلاء الإيماني النابع من يقين العلم بالحقائق الكبرى في الوجود هو ما يجعل المؤمن يرى كل عذاب الدنيا في الله، وفي سبيل حريته من ذل العبودية لغير الله أمرًا هين .. فالحياة الدنيا قصيرة زائلة ثم نرد جميعا إلى الله ونحاسب بين يديه يوم الدين .. يوم لا ملك إلا لله سبحانه .. والشاهد في كل لحظة .."قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (الجمعة 8) ..
ولعل هذا الاستعلاء الإيماني النابع من اليقين الجازم بيوم الدين هو ما جعل سحرة فرعون يسترخصون النفوس في سبيل إيمانهم وعقيدتهم، فحين هددهم فرعون بالصلب والقتل وأشد النكال والعذاب ردوا عليه بكل ثقة في الله"مالك يوم الدين".."قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا" (طه 72) ..
هذا هو في الحقيقة معنى ومغزى وروح الإيمان الجازم بأن الله تعالى هو"ملك يوم الدين"...