الصفحة 35 من 57

وإلا فأى غبنٍ وخسارةٍ يقع فيها من يردد هذه الجملة المعجزة في الفاتحة ليلَ نهارَ؛ ولا يدرك هذا المعنى، ولا يحتوي كيانه فيصنع في روحه المعجزات كما صنع بسحرة فرعون الأبطال ...

ولعل أضواء هذا المعنى تقود حياة المؤمنين فتجعلهم في حالة مراقبةٍ دائبةٍ ودائمةٍ لتفاصيل حياتهم التي يعلمون يقينًا أنها ستُناقش ويُجازون بكل ما فيها من خيرٍ ومن شرٍ .. لا يدع الله فيها نقير ولا قطمير ولا ذرة .."ولا أصْغَرُ منْ ذلكَ ولا أكْبَرُ إلا في كِتَابٍ مُبِينٍ" (سبأ 3) ..

ولهذا فإن الاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية، وأساس من أسس السعادة والنجاح للفرد والمجتمع.

فالمؤمن، عندما يتيقّن أن هناك يوما للجزاء والحساب يدفعه إيمانه إلى مراقبة الله والتزام أوامره واجتناب نواهيه .. ولهذا فإن التشريعات الإسلامية تتخذ طابعا مميّزا في التطبيق، فإن المؤمن ينفذها راغبا في ثواب الله راهبا لعقابه.

أمّا التشريعات الوضعية، فإن تنفيذها مرتبط بالخوف من السلطة .. وعند ما يتأكد الشخص من ابتعاده عن أعين السلطة، فإن هذا يهوّن عليه ارتكاب المخالفة.

أما القانون الإلهي، فإنه مرتبط بسلطةٍ عليا لا تغيب ولا تختفي أبدا.

إنها سلطة الله الذي يعلم السر وأخفى، ويطّلع على الإنسان أينما كان وحيثما وجد .. كما قال ربنا سبحانه"ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [المجادلة] ..

وهذا المعنى الراقي من دوام المراقبة والعمل من اجل الأفضل والأحسن هو ما يقرره في الوجدان وبكل عمقٍ وثباتٍ اعتقاد أنه سبحانه"مالك يوم الدين".. يوم الحساب والجزاء .. وبحسب فهم هذا المعنى وترسخه في النفس يكون ارتقاء العبد في منازل العبودية والمراقبة حتى يصل إلى درجة الإحسان وهى أعلى الدرجات في منازل العبودية .. وهو"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"...

جاء في الإحياء للغزالي: حكى عن بعض الأحداث (الشباب) أنه راود جارية عن نفسها، فقالت له: ألا تستحيى؟! ... فقال لها: ممن أستحيى، وما يرانا إلا الكواكب؟! ... قالت: فأين مكوكبها (أى خالقها سبحانه الذي يرانا) ؟! ..

وَقَالَ رَجُلٌ للجنيد رحمه الله: بِمَ أَسْتَعِينُ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ؟ .. فَقَالَ الجنيد: بِعِلْمِكَ أَنَّ نَظَرَ النَّاظِرِ إِلَيْكَ - سبحانه - أسبق من نظرك إلى المنظور إليه ..

وقال الجنيد: إنما يتحقق بالمراقبة من يخاف على فوت حظه من ربه عز وجل ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت