الصفحة 36 من 57

وقال عبد الله بن دينار: خرجتُ مع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعرسنا (أى نزلنا وتوقفنا) في بعض الطريق، فانحدر عليه (أى قابلنا) راعٍ من الجبل ..

فقال عمر بن الخطاب له: يا راعي بعنى شاةً من هذه الغنم .. فقال الراعي: إنى مملوك ولا أبيع شيئا من ملك سيدي بغير إذنه .. فقال عمر: قل لسيدك أكلها الذئب .. فقال الراعي: فأين الله؟!

قال: فبكى عمر رضي الله عنه، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه .. وقال للمملوك: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة) ا. ه.

إذا ما خلوتَ الدهر يوما فلا تقلْ ... خلوتُ ولكن قلْ علىَّ رقيبُ

ولا تحسبنَّ اللهَ يغفلُ ساعةً ... ولا أنَّ ما تخفيه عنه يغيبُ

ألم ترَ أنَّ اليومَ أسرعُ ذاهبٍ ... وأنَّ غدًا إذًا للناظرين قريبُ

وتأمل معي وصية الصديق أبي بكر للفاروق عمر بن الخطاب كما جاء في صفوة الصفوة:

لما حضر أبا بكر الصديق الموت دعا عمر فقال له:

"اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملًا بالليل لا يقبله بالنهار .."

وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فريضته .. وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم .. حُقَّ لميزان يوضع فيه الحقُ غدًا أن يكون ثقيلًا ..

وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحقَّ لميزانٍ يوضع فيه الباطل غدًا أن يكون خفيفًا ..

وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرْتَهم قلتَ: اني لأخاف أن لا ألحق بهم ..

وإن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلتَ: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء .. ليكون العبد راغبًا راهبًا، لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمة الله. فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكن غائبٌ أحبَّ إليك من الموت وهو آتيك .. وإن أنتَ ضيعّت وصيتي فلا يكن غائب أبغضَ إليك من الموت، ولست تعجزه") [1] ."

لله ما أروعها من وصية عظيمٍ لعظيمٍ أدركا الحقيقة وعاشا عليها ...

لمحة بلاغية:

(1) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1/ 71. رقم 83. وابن المباترك في الزهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت