قال الطبري (14/ 173) :"وليس قوله"فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم"بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن من قرأ القرآن، ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم، قبل قراءته أو بعدها، أنه لم يضيع فرضا واجبا".
قال ابن كثير: وَالْمَعْنَى فِي الِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ، لِئَلَّا يُلْبَسَ عَلَى الْقَارِئِ قِرَاءَتُهُ وَيُخْلَطَ عَلَيْهِ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ ...
جاء في نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (11/ 250) ما مختصره:
{فإذا قرأت} أي أردت أن تقرأ {القرآن} الذي هو قوام العمل الصالح والداعي إليه والحاث عليه، مع كونه تبيانًا لكل شيء؛ {فاستعذ} أي إن شئت جهرًا وإن شئت سرًا؛ {بالله} .. سل الذي له الكمال كله أن يعيذك {من الشيطان الرجيم} المطرود عن الرحمة من أن يصدك بوساوسه عن اتباع ربك سبحانه، فإنه لا عائق عن الإذعان لأساليب الشيطان الحسان، إلا ردُّ الرحمن لوساوسه اللعينة، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..
ولما كان ذلك الأمر بالاستعاذة ربما أوهم تعظيم هذا اللعين الرجيم، نفى الله تعالى ذلك بقوله جوابًا لمن كأنه قال: هل له سلطان؟ فقال له: {إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا} بتوفيق ربهم لهم {وعلى ربهم} عليه وحده {يتوكلون} ، ثم تبع ذلك ما أفهمه سياق الآية من أن له سلطانًا على غيرهم فقال تعالى: {إنما سلطانه} الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله له {على الذين يتولونه} أي تولوه وأصروا على ذلك بتجديد ولايته كل حين {والذين هم} أي بظواهرهم وبواطنهم {به} بالشيطان {مشركون} دائمًا لأنهم إذا تبعوا وساوسه، وأطاعوا أوامره فقد عبدوه فجعلوه بذلك شريكًا .. ا. ه. بتصرف يسير.
قال ابن جزي في تفسيره:"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".. الشيطان عدوّ. وحذر الله منه إذ لا مطمع في زوال علة (سبب) عداوته (وهو غيرته وحقده على آدم وولده) . وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم. فيأمره أوّلا بالكفر ويشككه في الإيمان فإن قدر عليه وإلّا أمره بالمعاصي. فإن أطاعه وإلّا ثبطه عن الطاعة. فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب ..
والقواطع عن الله أربعة: الشيطان، والنفس، والدنيا، والخلق. فعلاج الشيطان: الاستعاذة والمخالفة له، وعلاج النفس: بالقهر (والترويض على الطاعة واجتناب المعصية) ، وعلاج الدنيا: