يَجْحَدُونَ: أي ولكنهم - لِظلمهم وعِنادِهم - يَجحدون البراهين الواضحة على ِصدقك، فيكذبونك فيما جئتَ به.
•وقد ثبتَ أنّ الأخنَس بن شريق - قبل إسلامه - أتى أبا جَهلٍ، فقال له: (يا أبا الحَكَم، ما رأيك فيما سمعتَ مِن محمد؟) ، فقال أبو جهل: (تنازعنا نحن وبنو عبد مَناف الشرف) - وبنو عبد مَناف هم الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم مِن نَسْلِهِم -، ثم قال أبو جهل موضحًا له التنافس الذي كان بينهم وبين بنو عبد مَناف: (أطعَموا فأطعَمنا، وحَمَلوا فحَمَلنا، وأعطَوا فأعطينا، حتى إذا تجاثَيْنا على الرُكَب -(يعني حتى إذا اشتد السباق بيننا) - وكُنَّا كَفَرَسَي رَهَان، قالوا: مِنّا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى نُدرِك نحن هذه؟!، والله لا نؤمن أبدًا ولا نصدقه)، فقام الأخنس وتركه.
الآية 34: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا} {وَأُوذُوا} في سبيل الله، فصبروا على ذلك، واستمروا في دَعْوَتِهِم وجهادهم {حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} : والمقصود بكلمات الله هنا: ما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مِن وَعْدِهِ إياه بالنصر على مَن عاداه، {وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} : يعني ولقد جاءك أيها الرسول مِن خبر مَن كان قبلك من الرسل، وما تحقق لهم من نصر الله، وما جرى على مُكَذبيهم من انتقام الله منهم وغضبه عليهم، فليَكُن لك فيهم القدوة في الصبر، حتى يأتيك نصرنا على أعدائك، (وفي هذا تسلية وتصبير للرسول صلى الله عليه وسلم) .
الآية 35: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ} أي شَقَّ {عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} عن الاستجابة لدعوتك - وذلك مِن شدة حرصك عليهم - فأردتَ أن تأتيهم بآيةٍ تُرغِمهم على الإيمان برسالتك، كما يطلبون منك ويُلِحُّون عليك، وهم كاذبون، لأنهم لا يريدون إلا العِناد: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ} : يعني فإن استطعتَ أن تتخذ نفقًا في الأرض، أو مصعدًا تصعد فيه إلى السماء، فتأتيهم بعلامة وبُرهان على صحة قولك غير الذي جئناهم به حتى ترضيهم فافعل، فإنه لا يفيدهم ذلك شيئًا، وهذا ما لا تستطيعه لأنه فوق طاقتك فلا تُكَلَّف به، وليس في مقدورك أن تهدي مَن لم يُرد الله هدايته، وإذًا فما عليك إلا الصبر، وفي هذا قطْعٌ لطمعه صلى الله عليه وسلم في هداية هؤلاء المعاندين.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} الذي أنت وأصحابك عليه، ولَوَفَّقهم للإيمان، ولكنه لم يشأ ذلك لِحكمةٍ يعلمها سبحانه، {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} : أي فلا تقف موقف الجاهلين الذين لا يعرفون حقائق الأمور فاشتد بذلك حزنهم وحسرتهم، فلا تطلب ما لا يريده ربك، فإنك إذا فعلتَ ذلك كنتَ من الجاهلين، ولا نريد لك ذلك،