الصفحة 28 من 49

•واعلم أنه قد ثبت عن سعيد بن جُبير رحمه الله أن هذه الآية نزلت في أحد أحبار اليهود ويُدعَى (مالك بن الصَّيف) ، حينما جاء يجادل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:) أَنْشُدُك بالذي أنزل التوراة على موسى، أمَا تجد في التوراة أن الله يُبغض الحَبْر السّمِين؟) - وكان هذا الحبرُ سمينًا - فغضب من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (واللهِ ما أنزلَ الله على بشرٍ مِن شيء) ، فقال له أصحابه الذين معه: (وَيْحَك، ولا على موسى؟) فقال: (واللهِ ما أنزل الله على بَشَرٍ من شيء) ؛ فنزلتْ هذه الآية، فلما عاد هذا الحبر إلى قومه قالوا له: (ويلك، ما هذا الذي بلغَنَا عنك؟) ، فقال: (إنه أغضبني) ، فعزله اليهود بسبب هذا الكلام عن رياستهم، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.

الآية 92: {وَهَذَا} القرآن هو {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} : أي عظيم النفع، و {مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} : أي وهو مُصدِّقٌ لِما تقدَّمه من الكتب السماوية، {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} : يعني وأنزلناه لِتُخوِّفَ به أهل"مكة"من عذاب الله، وكذلك تخوِّف به مَن حول مكة من المدن والقرى القريبة والبعيدة، لِتنذرهم عاقبة الكفر والضلال، فإنها الخُسران التام والهلاك المبين، {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} : يعني وأمَّا الذين يُصدقون بالحياة الآخرة، فهم يُصدقون بأن القرآن كلام الله، لأنّ مَن صَدَّقَ بالآخرة، وعَلِمَ أن الله لم يَخلق شيئًا عبثًا: خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يَحمله على النظر والتدبر حتى يُؤمن بالقرآن، وذلك لوضوحه، وقوة حُجَّته، وتوافقه مع الفطرة السليمة، {وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} : أي وهؤلاء المؤمنون يحافظون على إقامة الصلاة في أوقاتها المُحددة في جماعة المسلمين، (واعلم أن الله تعالى قد خَصَّ الصلاةَ بالذِكر، لأنه إذا صَحَّتْ الصلاة: صَحَّ سائر العمل) .

الآية 93: {وَمَنْ أَظْلَمُ} : أي ومَن أشدُّ ظلمَّا {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} فزعَمَ أنه لم يَبعث رسولًا من البشر، {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ} : يعني أو زعم كذبًا أن الله أوحى إليه، {وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} ، وكذلك: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} : أي زعم أنه قادرٌ على أن يُنزل مثل ما أنزل الله من القرآن، فمَن أشدُّ ظلمًا من هؤلاء؟ {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ} : يعني ولو أنك أيها الرسول أبصرتَ هؤلاء الظالمين وهم {فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} : أي في شدائد الموت التي غمرتهم لرأيت أمرًا عظيمًا، {وَالْمَلَائِكَةُ} - الذين طلب الظالمون إنزال بعضهم على وجه الظهور لهم، وأخبرناهم أنهم لا ينزلون إلا لِفصل الأمور وإنجاز المقدور - يقبضون أرواحهم الآن، وهم {بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} بالضرب ونزع الروح، قائلين للمحتضرين - تعجيزًا لهم، وتشديدًا في الإزهاق من غير تنفيسٍ أو إمهال: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} : أي خَلِّصوها من هذا العذاب إن أمْكَنَكُم، {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} : يعني: اليوم تذوقون عذاب الذل والمَهانة، وذلك {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} : أي وبما كنتم تستكبِرونَ عن الانقياد لآيات الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت