الصفحة 30 من 49

الآية 96: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} : يعني: واللهُ تعالى هو - وحده - الذي يَشُقّ ضياء الصباح من داخل ظلام الليل، {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} : أي وجعل الليلَ مُستَقَرًّا، ففيه يَسكن الناس ويَخلدون للراحة، {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} : أي وجعل الشمس والقمر يَجريان في أفلاكهما بحسابٍ مُتقَنٍ مُقدَّر، لا يتغير ولا يضطرب، حتى يَعرفَ الناسُ أوقات الأيام والليالي والشهور والسنين، وما يتوقف على ذلك مِن عباداتٍ وأعمالٍ وآجالٍ وحقوق، (واعلم أن الحُسبان: جمع حساب، مثل: شِهاب وشُهبان) ، {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} : أي ذلك إيجاد وتنظيم العزيز الغالب على أمره، العليم بأحوال عباده وحاجاتهم، وقد فعل ذلك مِن أجْلِهِم، فكيفَ إذًا لا يستحق عبادتهم له؟!

الآية 97: {وَهُوَ} سبحانه {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ} علاماتٍ {لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} : أي لتعرفوا بها الطرق ليلًا إذا ضللتم بسبب الظلمة الشديدة في البر والبحر حتى لا تهلكوا، فهي نعمةٌ لا يَقدرُ على الإنعامِ بها إلا اللهُ تعالى، فلماذا إذًا يُعبَدُ غيرُه؟! {قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ} : أي قد بَيَّنَّا الحُجَج والأدلة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ، فبذلك أخبر تعالى عن نعمةٍ أخرى، وهي تفصيله للآيات وإظهارها، لينتفع بها العلماء الذين يميزون - بنور العلم - بين الحق والباطل، ولِيُعلموها للناس.

الآية 98: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ} : أي ابتدأ خَلْقكم {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} وهي نفس آدم عليه السلام (أبو البشر) ، إذ خَلَقه من طين، ثم كنتم أنتم سُلالةً منه، وذلك بأنْ خَلَقكم من آدم وحواء بالتناسل، {فَمُسْتَقَرٌّ} : أي فجعل لكم مُستَقَرًّا تستقرون فيه، وهو أرحام النساء، {وَمُسْتَوْدَعٌ} : أي وجعل لكم مُستودَعًا تُحفَظُون فيه، وهو أصلاب الرجال (أي ظهورهم) ، {قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ} : أي قد بَيَّنَّا الحجج والأدلة، وأظهرناها {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} : أي لقومٍ يفهمون مواقع الحُجَج، ومواضع العِبَر، وأسرار الأشياء، فيَهتدون بذلك لِمَا هو حَقّ وخير، ولِتقوم لهم الحُجَّة على أنه تعالى هو الإله الحق، دونَ غيره مِن سائر مخلوقاته.

الآية 99: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} وهو ماء المطر {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} مِمَّا يَأكل الناس والأنعام، {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا} : أي فأخرجنا من ذلك النبات زرعًا وشجرًا أخضر، ثم {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا} : أي ثم نُخرِجُ مِن هذا النبات الأخضر: حَبًّا يَركب بعضه بعضًا، كَسَنابل القمح والأرز والذرة، وغير ذلك.

•واعلم أن الله تعالى قال: {فَأَخْرَجْنَا} بضمير الْمُتكَلِّم الْجَمْعِي، بعد أن قال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ} بضمير الْواحد الْمُفْرَد - وهو ما يُعرَف في اللغة بأسلوب الالتفات - لِيجعل الأذهان تلتفت إِلَى أهمية ما هو آتٍ، فَتَتَنبَّه إلى أَنّ هذَا الإخراج البديع والصُنع المُتقَن: هو مِن فِعل البديع الْخَلاَّق جَلَّ وعَلا، ولَمَّا كان الماءُ واحدًا، والنباتُ جَمعًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت