كثيرًا: ناسَبَ ذلك إفراد الفِعل: {أَنْزَلَ} ، وجَمْع الفِعل: {أَخْرَجْنَا} ، ومعلومٌ أن الواحد إذا قال: {فَعَلْنَا} أَرادَ الإفَادة بتعظيم نَفسِهِ (إذا كانَ مقامُهُ أهلًا لذلك) ، كما يقول الملك أو الأمير في خطابه: (قرَّرْنا نحن، أو أمَرْنا نحن بكذا وكذا) ، واعلم أنه قد أتى بالفعل المضارع: {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا} بعد أن كان سياق الآية بصيغة الماضي، لاستحضار صورته العجيبة في حُسنها وانتظامها.
•واعلم أن الله تعالى قد وصف الحبوب بأنها متراكبة، إشارةً إلى أنها لا تختلط (بل هي متفرقة، مع أنها تخرج من أصلٍ واحد) ، وإشارةً أيضًا إلى كثرتها - رغم أن البذرة واحدة - وذلك لينتفع بها العباد بالأكل والبيع والادِّخار، فلله الحمدُ والمِنَّة.
{وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا} : أي وأخرج سبحانه مِن طَلْع النخل (وهو الوعاء الذي يخرج منه البلح) ، وهو الذي يُطلِق عليه المُزارعون لفظ: (الطَرْح) ، وهذا خطأ والصحيح أن اسمه:) الطَلْع)، فيَخرج من هذا الطلع {قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} : أي ثمرًا قريبَ التناول، (هذا في النخلة القصيرة، إذ يتناول المرءُ ثِمارها لمدة عشر سنوات بيديه وهو واقفٌ عندها، فإن طالت النخلة وارتفعت، فإنه يجد فيها أماكن بارزة يَسهُل الصعود عليها) .
{وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ} : أي وأخرَجَ سبحانه بهذا المطر بساتين من أعناب، {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} : أي وأخرج شجر الزيتون والرمان الذي يتشابه في ورقه وشجره، ويختلف في ثَمَرِهِ (شكلًا ولونًا وطعمًا) ، واعلم أن اللهُ تعالى قد خَصَّ هذه الأشجار بالذكر (العنب والزيتون والرمان) دونَ سائر الأشجار، لكثرةِ منافعها وعظيمِ فوائدها.
-ثم أمر تعالى عباده بالتفكر في ذلك الزرع، فقال: {انْظُرُوا} نظر تفكُّر واعتبار {إِلَى ثَمَرِهِ} : أي إلى ثمر الأشجار كلها، وخصوصًا النخل {إِذَا أَثْمَرَ} ، {وَيَنْعِهِ} : أي وانظروا إلى نُضجه واستوائه، {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ} : أي إنَّ في ذلك المذكور كله {لَآَيَاتٍ} : يعني لَدَلالاتٍ على كمال قدرة الخالق سبحانه وتعالى وحكمته ورحمته، وعنايته بعباده، ووجوب عبادته وحده.
•ولكنْ ليس كل الناس يَعتبرون ويتفكرونَ في آيات الله تعالى، ويُدركون المراد منها، ولهذا قيَّدَ تعالى الانتفاع بالآيات بالمؤمنين فقط، فقال: {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وذلك لأنهم أحياء، يَعقلون ويَفهمون، أما غيرهم من الجاحدين فإنهم أموات، وذلك لِمَا تراكَمَ على قلوبهم من الشرك والمعاصي، فهم لا يعقلون ولا يفهمون، فكيف لهم أن يجدوا في تلك الآيات ما يَدُلُّهم على توحيد ربهم عز وجل؟!