الصفحة 32 من 49

الآية 100: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} : أي ورغم كل هذه الأدلة التي تستوجبُ توحيدَ الله تعالى والانقياد لأوامره، فقد جعل هؤلاء المشركون الجنَّ شركاءَ لله تعالى في العبادة، اعتقادًا منهم أنهم ينفعون أو يضرون، {وَخَلَقَهُمْ} : أي وقد خلقهم اللهُ تعالى من العدم، هُم والجن الذين يعبدونهم، فهو سبحانه المُتفرِّد بالخَلق وحده، فيجب إفرادُهُ أيضًا بالعبادة، {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} : أي ولقد نسب هؤلاء المشركون البنين والبنات إليه تعالى، كَذِبًا وجَهلًا منهم بما له مِن صفات الكمال {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} : أي تَنزَّه وعَلا عما نسبه إليه المشركون من ذلك الافتراء.

الآية 101، والآية 102: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : يعني واللهُ تعالى هو الذي أوجَدَ السماوات والأرض وما فيهنّ على غير مثالٍ سابق، {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} : يعني كيف يكونُ للهِ ولدٌ وهو ليس له زوجةٌ أصلًا، إذِ الولد لا يكون إلاّ من زوجة، والتوالُد لا يكونُ إلا بين ذكر وأنثى، وذلك لِحِفظ النوع وعمارة الأرض، بل ولعبادة اللهِ تعالى بذِكْرِهِ وشُكرِه، أما اللهُ تعالى فهو خالق كل شيء، ولذلك قال بعدها: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} فكل ما في السماوات والأرض ملْكُه وعبيده، فكيف يكونُ له منهم زوجة أو ولد؟!

•فهذا أكبر دليل على بُطلان نسبة الولد لله تعالى، إذ هو خالقُ كل شيء، فهل يُقالُ لِمَن خَلَقَ شيئًا أنه وَلَدَهُ؟! لو صَحَّ هذا لقالوا لِكُلّ مَن صَنَعَ شيئًا إنه أبو المصنوع، ولا يوجد قائلٌ بهذا أبدًا، إذَن فأيُّ معنى لِنسبة الولد إليه سبحانه، إلا تزيين الشياطين للباطل حتى يقبله أولياؤهم من الإنس؟!، فسبحان مَن لا يحتاجُ إلى ولدٍ أو زوجةٍ كما يحتاج البشر، وسبحان الغني القوي، الذي ليس كمثله شيءٌ، {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

{ذَلِكُمُ} - أيها المشركون - هو {اللَّهُ رَبُّكُمْ} الذي {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : أي لا معبودَ بحقٍ سواه، فهو سبحانه {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} : أي فاخضعوا له وحده بالطاعة والعبادة، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} والوكيل هو مَن يُوَكَّل إليه الأمر لِيُدَبِّرَه.

الآية 103، والآية 104: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} : أي لا تُحيطُ الأبصارُ به سبحانه، إذ رؤيته تعالى مُتعذِّرةٌ في الدنيا، وقد طلبها موسى عليه السلام ولم يُدرِكْها، وذلك لِعَجْز الإنسان عن رؤية اللهِ تعالى بهذه الأبصار المحدودة في الدنيا، ولِذا يراه المؤمنون في الجنة رؤية بَصَرية حقيقية، ويتلذذون بالنظر إلى وجهه الكريم، قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، يقول الله تعالى: {تريدون شيئًا أَزِيدُكُم} ؟، فيقولون:(ألم تُبَيِّضْ وجوهنا؟ ألم تُدخِلنا الجنة وتُنَجِّنا من النار؟) ، فيُكشَفُ الحجاب، فما أُعْطوا شيئًا أحَبّ إليهم من النظر إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت