ربهم) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 523 (، وقال صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحيْن: (إنكم سَتَرَوْنَ ربكم كما ترون القمر، لا تُضامُون في رؤيته -(أي لا يَصعُب عليكم رؤيته) -، فإن استطعتم ألاَّ تُغلَبوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس - (وهي الفجر) - وصلاةٍ قبلَ غروب الشمس - (وهي العصر) - فافعلوا (، وفي هذا الحديث تحذيرٌ لكل مَن يُضَيِّع صلاة الفجر والعصر - فيُصلي الفجر بعد شروق الشمس، أو يصلي العصر بعد أذان المغرب - مِن أن يُحرَم مِن لذة النظر إلى وجه الله الكريم.
{وَهُوَ} سبحانه {يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} ويُحيط بها، ويَعلمها على ما هي عليه، {وَهُوَ اللَّطِيفُ} : أي الرفيق بأوليائه، ومِن لُطفِهِ تعالى أنه يسوقُ إلى عبده ما فيه صلاح دينه بالطرق التي لا يعرفها، ويُوصله إلى السعادة الأبدية مِن حيثُ لا يحتسب، حتى إنه تعالى يُقَدِّر عليه الأمور التي يَكرهها العبد ويتألم منها، وذلك لِعلمه سبحانه أنّ كمالَ عَبْدِهِ متوقف على تلك الأمور، فسبحان اللطيف لِمَا يشاء، الرحيم بالمؤمنين، {الْخَبِيرُ} الذي يعلم دقائق الأشياء، ظاهرها وباطنها.
•ثم قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ} : أي قد جاءتكم براهين ظاهرة تُبصِرونَ بها الهدى من الضلال، مِمَّا اشتملتْ عليه آيات القرآن مِن بلاغةٍ وتحَدٍّ وإخبارٍ بالغيب، ومِمَّا جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من المعجزات، {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} : يعني فمَن تبيَّن هذه البراهين وآمَنَ بِما دَلَّتْ عليه، فإنه بذلك ينفع نفسه لأنه هو الذي ينجو ويَسعد، {وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} : يعني ومَن لم يُبصِر الهدى بعدَ ظهور الحُجَّة، فإنه بذلك يضر نفسه، ويُعرضها للهلاك والشقاء، {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} : أي وما أنا بمسئولٍ عن أعمالكم، إنما أنا مُبلغ، واللهُ يَهدي مَن يشاء ويُضل مَن يشاء وَفْقَ عدله وحكمته.
الآية 105: {وَكَذَلِكَ} : يعني وكما بيَّنَّا في هذا القرآن البراهين الظاهرة في أمر التوحيد: {نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ} : أي نبيِّنُ لهم البراهين في كل ما جَهلوه، لتقوم عليهم الحُجَّة، {وَلِيَقُولُوا} - افتراءً - عند وضوح هذه البراهين والحجج، وظهور عَجْزهم: {دَرَسْتَ} : أي تعلمتَ من أهل الكتاب، وهذا باطل، فإنه إذا كان قد تعلَّم من أهل الكتاب شيئًا، لَعَلِمَهُ اليهود حين قَدِمَ إليهم في المدينة، وخاصَّةً عبد الله بن سلام (الذي شهد له اليهود أنه من علمائهم) ، ولكنه آمَنَ به بعد ثبوت صفاته لديه في التوراة، وقد رَدَّ اللهُ على ذلك الافتراء في آيةٍ أخرى بقوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} ، فهذا يدل على أنهم لم يرتابوا، وإنما هو الكِبر والعناد واتباع الهوى.