الصفحة 34 من 49

{وَلِنُبَيِّنَهُ} : أي ولِنُبَين الحقَّ - بتنويعنا للآيات - {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الحق - لوضوحه وظهور علاماته - فيقبلونه ويتبعونه، ولا يتبعون أهوائهم.

الآية 106، والآية 107: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} من الأوامر والنواهي التي أعظمُها توحيد الله تعالى بأنه {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} فلا تُبال بعنادهم، وامضِ في طريق دعوتك، ثم يُصَبِّرُ اللهُ تعالى رسوله، ويُخَفف عنه آلام إعراض المشركين عن دعوته، فيقول له: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} ألاَّ يُشرِكَ هؤلاء المشركون: {مَا أَشْرَكُوا} ، لكنه تعالى عليمٌ بما سيكون من سوء اختيارهم واتباعهم لأهواءهم المنحرفة، {وَمَا جَعَلْنَاكَ} أيها الرسول {عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} : أي رقيبًا تحفظ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} : أي وما أنت بقائمٍ على أمورهم لِتُدَبِّرَ مصالحهم، إن عليك إلا البلاغ، وقد أبلغتَهم، فلا تحزن إذًا على إعراضهم.

الآية 108: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا} : أي ولا تَسُبُّوا الأصنام التي يعبدها المشركون، حتى لا يتسبب ذلك في سَبِّهم للهِ تعالى ظلمًا واعتداءً {بِغَيْرِ عِلْمٍ} إذ لو علموا جلال الله وكماله: ما فعلوا ذلك، {كَذَلِكَ} : يعني وكما زَيَّنَّا لهؤلاء المشركين عملهم السيئ بالدفاع عن آلهتهم الباطلة: {زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} السيئ فرأوه حسنًا، عقوبة لهم على سوء اختيارهم، {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، ثم يجازيهم بأعمالهم، (وفي الآية دليل على حُرمة كل فِعل أو قول يكونُ سببًا في سَبّ الله تعالى أو رسوله أو دينه أو الاستهزاء بشرعه، ومِن ذلك قول المسلم للنصراني: يا كافر) .

الآية 109: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} : أي وأقسم رؤساء المشركين بأيمانٍ مؤكَّدة بأنهم: {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ} : أي علامة خارقة تدل على صِدق محمد، كتحويل جبل الصفا إلى ذهب: {لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا} وهذا الكلام الذي صدر منهم، لم يكن قصْدُهُم فيه الرشاد، وإنما قصْدُهُم فيه الكبر والعناد، فإن الله قد أيَّدَ رسوله بالآيات البينات، والأدلة الواضحات، التي - عند الالتفات إليها - لا تبقي أدنَى شُبهة ولا إشكال في صحة ما جاء به.

• فطلَبُهُم - بعد ذلك - للآيات، هو من باب العند والاستكبار الذي لا يَلزَم إجابته، بل قد يكونُ المَنْعُ من إجابتهم أصْلَح لهم، إذ إنه لو جاءتهم الآيات ولم يؤمنوا بها، فقد يترتب على ذلك هَلاكهم ودَمارهم، ولهذا قال: {قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} : يعني إنما مجيء المعجزات الخارقة إنما يكونُ مِن عِند الله تعالى، فهو القادر على المجيء بها إذا شاء، أما أنا فلا أملك ذلك، إلا أن الصحابة رغبوا في مجيء الآيات، حتى يؤمن بها المشركون، فقال تعالى لهم: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} : أي وما أعلمكم أيها المؤمنون أن هذه المعجزات إذا جاءت سوف يُصَدِّقُ بها هؤلاء المشركون؟ بل إنّ الغالب - مِمَّن حالُهُ اتباع الهوى - أنه لا يؤمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت