الصفحة 38 من 49

يعني وكما خُذِلَ هذا الكافر الذي يجادلكم، فزُيِّنَ له سُوءُ عمله فرآه حَسنًا: {زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} : أي زُيِّنَ للجاحدين أعمالهم السيئة، لِيستوجبوا بذلك العذاب.

الآية 123: {وَكَذَلِكَ} : يعني ومِثلُ هذا الذي حصل مِن زعماء الكفار - في"مكة"- مِن الصدِّ عن دين الله تعالى: {جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} : أي جعلنا في كل قرية مجرمين، يتزعمهم أكابرهم، (واعلم أن الأكابر هم الرؤساء والعظماء، وقد خُصُّوا بالذكر لأنهم أقدر - على الفساد والإفساد - من عامة الناس) ، {لِيَمْكُرُوا فِيهَا} : أي ليمكروا في هذه القرية بفِعل المنكرات والدعوة إلى ارتكابها، وبإفساد عقائد الناس وأخلاقهم، وصَرْفِهِم عن الهدى بتزيين الباطل لهم، {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} ، لأن عاقبة المكر تعودُ على الماكر بالعقوبة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} .

الآية 124: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ} : يعني وإذا جاءت حُجَّة ظاهرة - لهؤلاء المشركين من أهل مكة - تدل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم: {قَالُوا} : أي قال بعض كُبَرائهم: {لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} : يعني لن نُصدِّق بنبوّته حتى يُعطينا اللهُ من النبوّة والمعجزات مثل ما أعطى رسله السابقين، كَعَصا موسى وغيرها، قال الوليد بن المُغِيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كانت النُبُوَّة حقًا، لَكُنتُ أوْلَى بها منك، لأني أكبرُ سنًا وأكثر منك مالًا) ، وقال أبو جهل: (واللهِ لا نرضى به أبدًا، ولا نتبعه إلاَّ أن يأتينا وحيٌ كما يأتيه) .

-فردَّ الله تعالى عليهم هذا العُلُوّ والتكبر بقوله: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} : يعني اللهُ أعلم بالذين يستحقون حَمْلَ رسالته وتبليغها إلى الناس، فإنه سبحانه يجعلها في القلوب المشرقة والنفوس الزكية، لا في القلوب المظلمة والنفوس الخبيثة، و {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} : يعني وإنَّ هؤلاء المجرمين - الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي، وأجرموا على غيرهم حيث أفسدوا قلوبهم وعقولهم - فأولئك سوف يصيبهم {صَغَارٌ} أي ذل ومَهانة {عِنْدَ اللَّهِ} يوم يلقونه، {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} : يعني ولهم عذابٌ قاسٍ لا يُطاقُ في نار جهنم بسبب كَيدهم للإسلام وأهله، وبسبب تضليلهم للناس.

-وبمناسبة ذِكر النار، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحيانًا توقَدُ له النار، فيُقرِّب منها يديه، ثم يُبعِدهما إذا (لَسَعَتْهُ) ويقول: (ألَكَ على هذا صبرٌ يا بنَ الخطاب؟) ، وذلك بمثابة التطبيق العملي لقوله تعالى - وهو يتحدث عن النار-: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} - أي تُذَكِّرُ المؤمن بنار الآخرة، التي تعادل سبعين ضعفًا من نار الدنيا - {وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} أي ويتمتع بها المسافرون بالدفء والنور وطهي الطعام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت