الصفحة 4 من 49

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، بل إنَّ إعادة الخَلق أهْوَنُ عليه سبحانه، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، إذ هي نفس الأرض التي خلقه منها، قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} ، وضرب لنا سبحانه مَثَلًا حتى نُوقِنَ بقدرته على البعث فقال: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى} ، {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} : أي ثم أنتم بعد هذا تشُكُّون - أيها المشركون - في قدرة الله تعالى على البعث بعد الموت، كما تشُكُّون في وجوب توحيدِهِ بالعبادة دونَ غيره.

الآية 3: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} هذه الجُملة يُفسرها قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ، يعني وهو سبحانه المعبود في السماء والمعبود أيضًا في الأرض، لأنّ كلمة (إله) معناها في اللغة: (المعبود) ، وليس كما يَستدل البعض بهذه الآية على أن الله موجود في كل مكان، فهذا لا يليق به سبحانه، إذ قد يقول قائل - بجهل: (طالما أنه موجود في كل مكان، إذن فهو - حاشَ لله - موجود أيضا في الأماكن الخربة، وغيرها) ، تعالى اللهُ عن ذلك عُلُوًَّا كبيرًا، بل هو سبحانه فوق عرشه كما أخبر عن نفسه فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، أي عَلا وارتفع، وقال سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، وهذه آياتٌ مُحكَمات (يعني لا تَحتمِل أكثر من معنى) ، والعرش فوق السماء السابعة، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - كما في صحيح البخاري - وهو يتحدث عن الفردوس الأعلى من الجنة: (وفوقه عرش الرحمن) ، ومعلومٌ أنَّ الجنة بعد السماء السابعة، كما ذكر صلى الله عليه وسلم ذلك بعد صعوده إلى سِدرة المنتهى - في رحلة الإسراء والمعراج - حينَ صعد به جبريل فوق السماء السابعة للقاء ربه تبارك وتعالى، قال تعالى: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} .

•فإذا قلنا ذلك، فإننا نجد مَن يقول: (إنَّ معنى استوى على العرش هو: استولى على العرش) ، فدعونا نسأل: (هل كانَ العرشُ في يدِ أحد، حتى يستولى اللهُ عليه؟!) ، سبحان الله وتعالى عما يصفون، ثم نجدهم يحتجون بأنهم فعلوا هذا التأويل (أي التبديل للمعنى) لأنه سبحانه إذا كانَ فوق العرش، فإنه سيكونُ مُحتاجًا له للجلوس عليه، وهذه ستكون صفة نقص في حقه تعالى، ونحن نقول: (إذا تصورنا أنني وضعتُ قلمًا فوق يدي بحيثُ يكون ملامسًا لها، فإننا سنقول: إن القلم فوق اليد، وكذلك إذا رفعتُ القلم فوق يدي - قليلًا - بحيثُ يكون غير ملامس لها، فإننا سنقول أيضًا: إنّ القلم فوق اليد) ، إذن فإنَّ الفوقِيَّة لا تَشترط المُلامَسة، فإذا كانت المُلامَسة للعرش صفة نقصٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت