الآية 129، الآية 130: {وَكَذَلِكَ} : يعني وكما سَلَّطْنا شياطين الجن على كفار الإنس، فكانوا أولياء لهم: {نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} : أي نُسلِّط الظالمين - من الإنس - بعضهم على بعضٍ في الدنيا، لِيَصيروا أولياءَ لبعض، فيكون مأواهم النارُ جزاءً {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} من المعاصي.
•ثم يخاطب اللهُ مُشرِكي الجن والإنس قائلًا: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} - واعلم أن النصوص الواردة في القرآن والسُنَّة تدلُّ على أنَّ الرسل كانت من الإنس فقط، وأما الجن فكانَ منهم دُعاةٌ لقومهم، كما قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} ، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتاني داعِيَ الجن فأتيتُهم فقرأتُ عليهم .... ) (انظر صحيح الترمذي: ج 5/ 382) .
•وهؤلاء الرسل كانوا {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} : يعني كانوا يُخبرونكم بآياتي الواضحة المشتملة على الأمر والنهي وبيان الخير والشر، ويحذرونكم لقاءَ عذابي يوم القيامة {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} بأنّ رُسلك قد بلَّغونا آياتك، وأنذرونا لقاء يومِنا هذا، فكذبناهم، {وَغَرَّتْهُمُ} : أي وخدعَتْهم {الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} بزينتها {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} .
الآية 131: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ} : أي ذلك الإنذار إلى الجن والإنس بإرسال الرسل وإنزال الكتب، كانَ لأجْل أنه تعالى لم يكن - مِن شأنه ولا مِن حِكمته - أن يكون {مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} منه سبحانه {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} لم يُؤمَروا ولم يُنهَوا، ولم يَعلموا بعاقبة الظلم وما يَحِلّ بأهله من عذاب، ولكنه سبحانه أنذر الأمم من أجل إقامة الحُجَّة عليهم، وما عَذَّبَ أحدًا إلا بعد إرسال الرسل إليهم.
-واعلم أنَّ كلمة: {أنْ} المذكورة في قوله تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ} تُسَمَّى: (أنْ المُخَفَّفة من الثقيلة) ، يعني كأنها كانت: {أنّ} التي عليها شَدَّة، ولكنها خُفِّفَتْ فصارت: {أنْ} التي عليها سكون، وعلى هذا يكون المعنى: {ذلك لأنَّه لم يكن رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْم} ، وهذا مِثل قوله تعالى: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} ، والمعنى: (وَنُودُوا أَنَّ هذه الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا) .
الآية 132: {وَلِكُلٍّ} : يعني ولِكُلّ عامل في طاعة الله تعالى أو معصيته: {دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} : أي مراتب يُبَلِّغه الله إياها - بسبب عمله -، ويُجازيه عليها، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} .