الصفحة 41 من 49

الآية 133: {وَرَبُّكَ} هو {الْغَنِيُّ} عن خَلقه، وكل خَلقه محتاجون إليه، وهو سبحانه {ذُو الرَّحْمَةِ} الواسعة، ومع ذلك فـ {إِنْ يَشَأْ} سبحانه إهلاكَكُم بسبب عِصيانكم وتمَرُّدِكم: {يُذْهِبْكُمْ} {وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} : يعني ويُوجِدُ قومًا غيركم يَخلفونكم من بعد فنائكم، ويعملون بطاعته تعالى {كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ} : يعني وذلك كما أوجدكم أنتم مِن نَسل قومٍ آخرينَ كانوا قبلكم.

الآية 134: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ} : يعني إنَّ الذي يَعِدُكُم به ربكم أيها المشركون - مِن مَجِيء السَّاعة، ومن العذاب الذي ينتظركم - لَواقعٌ بكم لا مَحالة، {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} : يعني ولن تُعجِزوا ربكم إذا ظننتم أنكم ستهربون عند مجيء ذلك الوعد، فهو قادرٌ سبحانه على إعادتكم وإن صِرتم ترابًا وعظامًا.

-فالوعدُ آتٍ وأنتم لا تستطيعون الهرب، ولا يَقدر أحدٌ أن يمنعَ اللهَ تعالى مِن تحقيق ما وعد، فاللهُ غالبٌ على أمره، يفعل ما يريد، لأنه لا إله إلا هو، وأما الذي يُخلِفُ الوعدَ من الخَلق، فهذا أمرٌ مُتوَقَّع منه، لأنه ربما يكون قد وَعَدَ بشيء - كانَ يَظنُّ أنّ في إمكانِهِ فِعله - وبعد ذلك خرج هذا الشيء عن حدود إمكانياته، فهو ليس له سيطرة على الأشياء، أما إذا كانَ مَن وَعَدَ قادرًا، ولا يوجد إلهٌ آخر يُناقضه فيما وَعَدَ به، فلابد أن يتحقق وعده.

-ولذلك حينما يَحكم اللهُ حُكمًا ما، فالمؤمن يأخذ هذا الحكم قضية مُسَلَّمة؛ لأنه لا إلهَ مع اللهِ سيُغَيِّر هذا الحكم، ومثالُ ذلك أنّ اللَه تعالى قال عن أَبِي لَهَبٍ: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} ، وهذا وَعيدٌ من الله تعالى في أمرٍ - لهم فيه اختيار -، ومع ذلك فإنهم لم يُسلموا، لأنه لا يوجد إلهٌ سواه لِيُغير ما أخبرَ به.

الآية 135: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} : أي اعملوا على طريقتكم - التي أنتم عليها من مخالفتي وعداوتي - فـ {إِنِّي عَامِلٌ} على طريقتي التي شرعها لي ربي جَلّ وعَلا، ولن أتركها مهما فعلتم، ثم هَدَّدَهُم تعالى بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} - عند حلول العذاب بكم - {مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} : أي مَنِ الذي ستكون له العاقبة الحسنة؟ {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} : يعني: إنه لا يفوز برضوان اللهِ وجَنَّتِه مَن تجاوزَ حَدَّهُ وظَلم، فأشركَ مع اللهِ غيره.

الآية 136: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} : يعني وجعل المشركون للهِ تعالى جُزءًا مما خلق من الزروع والثمار والأنعام، يقدمونه للضيوف والمساكين {فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ} ، {وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} : أي وجعلوا جُزءًا آخر من من الزروع والثمار والأنعام، يتقربون به إلى شركائهم من الأصنام، {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ} : يعني فما كان مُخَصَّصًا لشركائهم فإنه يَصِل إليها وحدها، ولا يُعطون منها للضيوف والمساكين، {وَمَا كَانَ لِلَّهِ} : يعني وما كانَ مُخَصَّصًا للهِ تعالى {فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ} : أي فإنهم يذبحون منه للأصنام، سَاءَ مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت