القرآن، فكأنما قد رأي محمدًا صلى الله عليه وسلم وسَمِعَ منه)، وفي هذا دليلٌ على أنّ الأصل أن يُعذَرَ الإنسانُ بجهله حتى يبلغه العلم.
•ولما بيّن تعالى شهادته بصِدق نبيه (وهي أكبر الشهادات على التوحيد) ، أمَرَهُ أن يُنكِرَ عليهم الشرك بقوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى} : يعني إنكم لَتُقِرُّون أنَّ مع اللهِ معبوداتٍ أخرى تشركونها به في العبادة، {قُلْ} : أما أنا فـ {لَا أَشْهَدُ} على ما أقررتم به، ولا أعترف بهذه الأصنام والأحجار التي تعبدونها - تقليدًا لآبائكم - مِن غير دليل، ثم أمره تعالى بعد ذلك أن يقرر ألوهية الله وحده، وأن يتبرأ من آلهتهم المزعومة، فقال له: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} لا شريك له، وهو الله الواحد الأحد الصمد (أي السيد الذي يُلجأ إليه عند الشدائد والحوائج (، {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} .
الآية 20: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ} : أي الذين آتيناهم التوراة والإنجيل، يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم بصفاته المكتوبة عندهم {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ} ، فكما أنَّ أبناءهم لا يَشتَبِهون عليهم بغيرهم، فكذلك محمد صلى الله عليه وسلم لا يَشتَبِه عليهم بغيره، لِدقة وَصْفِهِ في كُتبهم، ولكنهم اتبعوا أهواءهم، فخسروا أنفسهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ولهذا قال: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .
الآية 21: {وَمَنْ أَظْلَمُ} : يعني لا أحد أشَدّ ظلمًا {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} فزعم أنّ له شركاء في العبادة، أو ادَّعى أنّ له ولدًا أو زوجة، {أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ} : يعني أو كَذَّبَ ببراهينه وأدلته التي أيَّدَ بها رسله، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} : يعني إن الظالمين الذين افتروا على الله الكذب لا يُفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يَنجون من عذاب الله يوم القيامة.
الآية 22، والآية 23، والآية 24: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} : يعني أين آلِهَتكم التي كنتم تزعمون أنهم شركاء مع الله تعالى ليشفعوا لكم؟، {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} : يعني: ثم لم تكن إجابتهم حين فُتِنوا بالسؤال عن شركائهم {إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} : يعني أنهم تبرؤوا منهم، وأقسموا بالله ربهم أنهم لم يكونوا مشركين معه غيره، وذلك لأنهم قد رأوا أن المشركين لا يُغفَرُ لهم ولا يَنجون من عذاب الله.
•ثم أمر الله رسوله أن يتعجب من هذا الموقف المُخزي لهم، فقال له: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} حينَ تبرؤوا من الشِرك؟ {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} : أي ذهب وغاب عنهم ما كانوا يَزعمونه كَذِبًا مِن شفاعة آلِهَتهم لهم يوم القيامة.