وقصص تصف أحوال المرأة العربية، وما تجري عليه تربية أطفالها ومعاشرتها زوجها، ومعاونتها له في الحياتين الاجتماعية والمادية بالسعي في سبيل الرزق، والاشتراك في خوض معامع الحروب، والأخذ بقسط من الثقافة الأدبية السائدة في عهودهم القديمة، ولهم قصص تمثل ذلاقة ألسنتهم، وحكمة منطقهم، ما يضاف إلى ذلك من فصاحة اللفظ، وبلاغة المعنى، وجمال الأسلوب، وحسن التصرف في الإبانة والتعبير.
ولهم قصص تسرد بارع ملحهم ورائع طرفهم، في جواباتهم المسكتة، وتصرفاتهم الحكيمة، وتخلصاتهم اللبقة، مما يدل على حضور الذهن، وسرعه البديهة، وشدة العارضة [1] .
بل نجد في أدبهم وبخاصة فن الشعر قصصا شعرية تحكي أروع المواقف الاجتماعية والبطولية كقصة الحطيئة مع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سجنه فلم يجد بدا من الشعر يستعطف به عمر رضي الله عنه.
وكقصته مع الضيف الطارق والسيد والزوجة مع بنيها في شعبهم إبان فقر وقر، وكموقف تميم بن جميل مع الخليفة العباسي المعتصم وغير ذلك كثير مما حفلت به كتب التراجم والتاريخ والسير. والذي ينبغي أن يقال: إن القصة في الأدب العربي فن تكامل نضجه في عصر النهضة الحديثة، فقد كان إبان عصور الأدب الأولى من العهد الجاهلي إلى العهد الأموي في الأندلس وفي عصور الانحطاط وما بعدها بقليل قد كان فن القصة وليدا لم يستطع السير على قدميه حيث لم يوجد له من هواة القصة من يأخذ بيده ويهذبه ليعطى كغيره من فنون الأدب الأخرى.
ومعلوم إن مقومات هذا اللون من الأدب أعني فن القصة - لا يتم عطاؤه بواسطة الأديب الكاتب المتأثر به، بل لا بد من مراعاة جميع مقومات هذا اللون الأدبي ومن حيث عامل البيئة وما يجري فيها من أحداث على مسرح الحياة تكون موضوع عطاء لهذا الأدب، ومن حيث طريقة الاختيار في الشخصيات القصصية مراعيا في ذلك قرب هؤلاء الأشخاص المخبرين من أحداث القصة المكتوبة تفاعلا وواقعيا وتأثرا أسطوريا إن صحت العبارة - ولا بد من مراعاة تقبل المتلقين لموضوع ومغزى وأهداف القصة - التي ينشؤها الأديب بالإضافة إلى مراعاة الأسلوب القصصي الذي تتطلبه القصة كأسلوب الحوار، وتغاير العبارات بين الطول والقصر، وتوالي أسلوب العرض والتخصيص وبروز علامات الاستفهام التي تثير الدهشة والغرابة والتعجب تارة وتثير التساؤل الذي يحلق بخيال المتلقي في آفاق بعيدة بحثا عن الحل لعقدة القصة تارة أخرى.
(1) قصص العرب المجلد الثاني ص 441 وما بعدها تأليف أبي الفضل إبراهيم ومحمد جاد المولي وعلى البيجاوي/ دارإحياء التراث العربي/ بيروت.