في الهداية والإرشاد ومراعاة أحوال المسلمين، وما كان لأعلام المسلمين عبر عهوده من أياد في الإصلاح والدعوة وإنكار المنكر، والوقوف مع الحق"أولئك الذين اتقوا وأولئك هم المفلحون".
ومن هنا يلحظ كل ناقد منصف أن الأدب العربي عبر تاريخه الطويل لم يخل من الفن القصصي، وأن هذا اللون من الأدب إنما تكامل نضجه وأتت ثمرته في عصر النهضة الحديثة باستثناء القصص النبوي فثمرته سابقة على كل لون أدبي.
والرأي الأقرب إلى الصواب والإنصاف هو ما ساقه الناقد الأدبي المعاصر الدكتور محمود ذهني في كتابه"تذوق الأدب"طرقه ووسائله، فقد أزجى من الآراء النقدية السليمة حول هذه القضية - أعني قضية خلو الأدب العربي القديم من الفن القصصي - أزجى من الآراء حول ذلك ما أقام بالبرهان والدليل التاريخي الموثق من غير ميل عاطفي، وساق من الأمثلة والشواهد ما يحسن أن أورده في هذا المقام فهو رد منصف ورأي مقنع.
تحدث هذا الناقد عن القصة الأدبية تاريخها وخصائصها وأغراضها وأنواعها، وفي معرض حديثه عن هذه القضايا يقول: ليس الفن القصصي حديثا في الأدب العربي كما يقول البعض وبخاصة المستشرقين - أو أنه منقول عن الأدب الغربي الحديث نقل ترجمة واحتذاء كما يقول البعض الأخر - وليس معناه كذلك إن الفن القصصي لم يكن موجودا في الأزمان التي كان الشعر فيها متربعا على عرش الأدب، ولكن الحقيقة أن الفن القصصي كان موجودا دائما مثل ما كان الإنسان موجودا دائما إلى حين، بل إن الفن القصصي كان موجودا قبل الشعر .. لأن الحاجة الوجدانية إليه تسبق الحاجة الوجدانية إلى الشعر من حيث الترتيب الزمني ومن حيث الأهمية والغرض، ونستطيع أن نلحظ هذا السبق إذا ما نظرنا إلى الطفل الصغير أو إلى أنفسنا حين كنا أطفالا صغارا فمن منا الذي لم تتفتح أذناه - وهو ما زال في المهد صبيا - على أقاصيص أمه وجدته - ويقول علماء الاجتماع والاقتصاد السياسي إن الأمم والحضارات من خلال تأثرها بالدور الأدبي تسير قي تطورها البدائي على هذا النسق وبالذات الدورة التي يسير فيها الإنسان فهي تولد رضيعة - أو بدائية - وتتطور في درجات من الطفولة إلى الصبا إلى الشباب إلى الرجولة، ومنها إلى الشيخوخة والكهولة حتى تبلغ النهاية المحتومة.
وإذا كانت عملية القص تصحب الإنسان منذ ولادته، وتصحب الأمة منذ نشأتها فإن فن القصة موجود في الأمة العربية والإسلامية قدم النشأة الأولى كما هو الحال في أي أمة أخرى لكنها - أي القصة - في نشأتها لم تكن من قبيل الفن القصصي ذي الملامح الفنية المتكاملة.