وحين جاء الإسلام أقر من هذه القيم ما يلي: حب السلام، الشجاعة، الإيثار، الكرم، صلة الرحم، حسن الجوار، مساعدة الفقراء، حسن المعاشرة، الحلم، الصدق، الأمانة، الوفاء، الرأفة بالحيوان، التكافل الاجتماعي، مقت الظلم، حقوق المرأة، الحقوق الزوجية، بر الوالدين، ثم ختم هذه القيم الرفيعة والمثل العليا بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ).
وهذا يعني - بالضرورة - أن الأدب الإسلامي بمصدريه النثر والشعر قد اتخذ من هذه القيم مادته التي ينزع عنها في معالجة الأدواء التي يشكو منها الفرد والجماعة على حد سواء.
وعلى الرغم من أن نقاد الأدب قد نادوا بتأثير العقل والعاطفة والخيال على العطاء الأدبي فإن الإسلام في نظرته إلى الأدب قد وسع دائرة النظرة عند النقاد فسما بالعقل، وسما بالعاطفة ولم يحجب الرؤية الأدبية من خلال الخيال الشاعري، ولكنه عمل على تهذيب العواطف والارتفاع بخيال الأديب عن سفاسف الأمور حتى لا يطغى جانب العاطفة على جانب العقل، فلكل منهما أثره وجدواه في جودة الأدب ورفعته، وقيمه الفنية.
وقد تحدث الإسلام عن المعين الأول للأدب والقيم الإنسانية كلها ذلك المعين هو (( العقل ) )فقد جعل له الإسلام مزية تفوق أرقام الحساب، ودلالات اللفظ اليسير، قبل الرجوع في تأييد هذه المزية إلى المناقشات والمذاهب التي قد تختلف فيها الآراء.
وتلك المزية: هي التنويه بالعقل والتعويل. عليه في أمر العقيدة، وأمر التبعة والتكليف.
ففي كتب الأديان الكبرى إشارات صريحة أو مضمونه إلى العقل أو إلى التمييز، ولكنها تأتى عرضا غير مقصودة وقد يلمح فيها القارئ - أحيانا - شيئا من الزراية بالعقل أو التحذير منه، لأنه منزلة العقائد، وباب من أبواب الدعوى والإنكار.
ولكن القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة مقتضيه في سياق الآية بل تأتى في كل موضع من مواضعها مؤكده جازمة باللفظ والدلالة وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهى التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه، ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها.
وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص في مواطن الخطاب ومناسباته، فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع، ولا في العقل المدرك، ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق