واستغلال فقراء المدنيين من جهة أخرى.
فأنشؤوا جمعيات سرية تمكِّنهم من العمل بعيدًا عن متناول السلطات، وجعلوا هذه الجمعيات أشبه بخلايا كل واحدة منها لها مرتبة، ولا يستطيع أعضاؤها التعرُّف بعضهم على بعض إلا بوساطة إشارات معينة، وأعطوا الدرجات العليا في هذه المراتب سلطة مطلقة، وكان السبب في هذه التدابير هو أنه إذا توصلت السلطات إلى اكتشاف أعضاء مرتبة من المراتب أو خلية من الخلايا تعذر عليها اكتشاف الخلايا الأخرى؛ لأن الخلية الدنيا لا تعرف شيئًا عن الخلية التي تليها.
وقد أخذ اليهود نظامهم هذا عن جمعية تعاونية من البنائين، وهذا هو السر في أن الماسونية أو الفريماسونية تعني: البنائين الأحرار، وشعارها: البركار والزاوية.
وقد تطورت هذه الجمعيات مع الزمن، وبعد زوال الأسباب التي أُنشِئت من أجلها، فتحوَّلت إلى جمعيات سرية سياسية لعبت أدوارًا خطيرة ابتداء من القرن الثامن عشر وبصورة خاصة في إنجلترا وفي فرنسا.
ولذا نجد أن معظم المحافل الماسونية في العالم تابعة إلى المحفل الأكبر الفرنسي.
وقد أنشئت محافل كبرى في البلاد العربية، وقيل: إنها محافل مستقلَّة لكن استقلالها لم يكن ينفي وجود صلات بينها وبين أحد المحفلَين في إنجلترا أو في فرنسا.
وما تزال محافل البنائين الأحرار كلها بما فيها المحافل العربية تعتمد على عرش سليمان كرمز للسلطة العليا، وقد كانت المحافل اليهودية تعتمد هذا العرش باعتباره ذا صلة وثيقة بمعتقداتها.
ثم جاءت المحافل الأخرى غير اليهودية فاعتمدت العرش نفسه لكنها نفَت الأديان، وكان هذا النفي جزءًا من المخططات اليهودية في العصور القديمة؛ لكي تضمن تعاون غير اليهود دون أية حساسية دينية تصرفهم عن خدمة أهداف محافلهم، ولضمان سرية العمل في المحافل جعلت أسرار البنائين الأحرار على درجات؛ فالمنتسبون إلى عقيدة البنائين الأحرار حين تم تكريسهم في الدرجة الأولى أو درجة المبتدئ لا يطلعون على أي سر فيما عدا إشارة التعارف للمبتدئ، والتحية التي يجب أن يؤديها عند دخوله المحفل، وطريقة القرع على باب المحفل.
ويجوز لأيِّ محفل أن يعقد اجتماعه على أيِّ مستوى من المستويات، لكن حين يعقد الاجتماع على مستوى عالٍ فإن الأشخاص الذين هم دون هذا المستوى يضطرُّون لمغادرة الاجتماع فورًا حتى لا يطَّلعوا على أسرار المرتبة التي يعقد الاجتماع على مستواها.