كاتِب هذه السُّطور منفتِحٌ منذُ وقتٍ بعيد - دون تلجلُج أو تحرُّج - على كلِّ الاتجاهات والمذاهبِ والفلسفات والأديان يَقرؤها ويفكِّر فيها، ويقارن بينها وبيْن الدِّين الذي يُؤمِن به، فقرأتُ في شبابي - ولا أزال أقرأ حتى الآن - عن الشيوعيَّة والوجوديَّة، والوضعيَّة المنطقيَّة والبراجماتيَّة واليهوديَّة والنصرانيَّة، وأديان الهند والشَّرْق الأقْصى، وقرأتُ - ولا أزال أَقرأ حتى الآن - للمؤمنين والملحِدين والمتشكِّكين والمتحمِّسين للإسلام، والمتحمِّسين ضدَّه؛ سواء كانوا مِن أبنائه، أو مِن غير أبنائه، واجدًا لذَّة، وأي لذة! في هذه القراءة وفي تلك المقارنة؛ ذلك أنَّني أومن بأنَّه لا بدَّ مِن الاطلاع الواسِع والعميق على كلِّ ما أستطيع الوصول إليه في هذا الميدان؛ مِن أجل أن يكون اختياري لما أُومن به قائمًا على بصيرةٍ وأساس.
وقد كنتُ دائمًا أخرج مِن قراءاتي بمزيدٍ مِن الاطمئنان للدِّين الذي وُلِدْتُ عليه. لكنَّ هناك فرقًا هائلًا بين إيمَانٍ موروث وإيمان يَستنِدُ إلى التفكير والمقارنة والتأمُّل العميق، وبطبيعة الحالِ كثيرًا ما انتابتني الحيرةُ وثارتْ في ذِهني الأسئلة مِن كلِّ شكل ولَون، إلاَّ أنني كنتُ دائمًا أواجه كلَّ ذلك بشجاعة، مطمئنًّا إلى أنَّ الله معي يَرقُبني ويوفِّقني، ويأخذ بيدي ما دمتُ أسعَى لبلوغ الحقِّ، بعدَما كنتُ قد مررتُ في البداية بتجرِبةٍ قيَّض الله لي فيها مَن يُبصِّرني بما ينبغي أن أفعلَ، ويفهِّمني أنَّ التساؤلَ هو مِن الإيمان في الصميم، وأنَّه لا خوف أبدًا منه.
وتفصيل ذلك أنَّني، حين كنتُ طالبًا في التوجيهيَّة عام 1965 - 1966 م، قد انتابتني على مدارِ عِدَّة أيام بعضُ الخواطر والتصورات التي رأيتُ أنَّها لا تليق بالألوهية، فشعرتُ أنَّ الدنيا قد اسودَّتْ في عيني، وكنت أجوب مدينةَ طنطا، وقد ارْبَدَّتِ الآفاق أمامي رغمَ أنَّنا كنا في عِزِّ النهار ... إلى أن فاض الكيل بي، وشعرتُ أنَّه لا بدَّ مِن الإفضاء بألمي لمن يمدُّ لي يدُ العون، وينتشلني مِن الهوَّة التي ابتلعتني، فانتهزَّتْ فرصة رؤيتي في فَناء المدرسة الأحمدية الثانوية بطنطا لأستاذي العظيم، الذي كان يدرِّس لنا مادة اللغة العربية، والذي كان يحبُّه ويحترمه الطلاَّبُ جميعًا، الأستاذ سيِّد أحمد أبو رية - رحمه الله وبَوَّأه عُلْيَا الجِنَان - وأقبلتُ عليه خائفًا - رغمَ ذلك - أن ينهرني عن مِثل تلك الخواطِر والأفكار، وشرحتُ له على قدرِ ما يمكنني المصارحة في مِثل تلك المسألةِ ما كان يُعذِّبني آنذاك، متوقعًا أن يهبَّ في وجهي صارخًا معنِّفًا، وإذا بالرجل يبتسِم لي في حنانٍ ويربِّت على كتفي قائلًا: إنَّ هذا هو صريحُ الإيمان! فقلت له: كيف؟! قال: إنَّ الإمامَ أبا حامد الغزالي قد مرَّ بشكوكٍ عنيفة هزَّته هزًّا، إلا أنَّه لم ينهزم