فهرس الكتاب
ضربَ تأديب مصحوبًا بعاطفة المؤدِّب المربي كما يزاوله الأبُ مع أبنائه، وكما يزاوله المربِّي مع تلميذه.
ومعروفٌ بالضرورةِ أنَّ هذه الإجراءاتِ كلَّها لا موضعَ لها في حالة الوِفاق بيْن الشريكين في المؤسَّسة الخطيرة، وإنَّما هي لمواجهة خطر الفساد والتصدُّع، فهي لا تكون إلاَّ وهناك انحرافٌ ما، هو الذي تعالجه هذه الإجراءات، وحين لا تُجدي الموعظةُ، ولا يُجدي الهجرُ في المضاجع، لا بدَّ أن يكونَ هذا الانحرافُ من نوعٍ آخر، ومِن مستوى آخَر، لا تُجدي فيه الوسائلُ الأخرى، وقد تُجدي فيه هذه الوسيلة! وشواهدُ الواقع والملاحظات النفسيَّة على بعضِ أنواع الانحراف تقول: إنَّ هذه الوسيلةَ تكون أنسبَ الوسائل لإشباعِ انحراف نفْسي معيَّن، وإصلاحِ سلوكِ صاحبِه وإرضائه في الوقت ذاته! على أنَّه من غير أن يكون هناك هذا الانحرافُ المرَضي الذي يُعيِّنه علم النَّفْس التحليلي بالاسم؛ إذ نحن لا نأخُذ تقريراتِ عِلم النَّفْس مُسلَّمات"علمية"، فهو لم يصبح بعدُ"علمًا"بالمعنى العلمي، كما يقول الدكتور"ألكسيس كاريل"، فربما كان مِن النساء من لا تحسُّ قوَّةَ الرجل الذي تحبُّ نَفْسُها أن تجعلَه قيِّمًا وترضَى به زوجًا إلا حين يقهرها عضليًّا! وليستْ هذه طبيعةَ كلِّ امرأة، ولكن هذا الصِّنف من النساء موجود، وهو الذي قد يحتاج إلى هذه المرحلةِ الأخيرة؛ ليستقيمَ ويُبْقِيَ على المؤسَّسة الخطيرة في سِلم وطُمأنينة!
وعلى أيَّة حال، فالذي يُقرِّر هذه الإجراءات هو الذي خَلَق، وهو أعلم بمَن خلَق، وكل جدال بعدَ قول العليم الخبير مهاترةٌ، وكل تمرُّد على اختيار الخالِق وعدم تسليم به مُفْضٍ إلى الخروجِ مِن مجال الإيمان كله. وهو سبحانه يُقرِّرها في جوٍّ وفي ملابسات تحدِّد صِفتها، وتحدِّد النية المصاحِبة لها، وتحدِّد الغايةَ مِن ورائها بحيثُ لا يُحْسَب على منهجِ الله تلك المفهوماتُ الخاطئة للناسِ في عهودِ الجاهليَّة حين يتحوَّل الرجلُ جلاَّدًا باسمِ الدِّين، وتتحوَّل المرأةُ رقيقًا باسمِ الدِّين، أو حين يتحوَّل الرجل امرأةً، وتتحوَّل المرأة رجلًا، أو يتحوَّل كلاهما إلى صِنف ثالث مائِع بيْن الرَّجُل والمرأة باسمِ التطوُّر في فَهم الدِّين، فهذه كلُّها أوضاع لا يَصعُب تمييزها عن الإسلامِ الصحيح ومقتضياتِه في نفوسِ المؤمنين!
وقدْ أُبيحت هذه الإجراءاتُ لمعالجةِ أعراضِ النشوز قبلَ استفحالها، وأُحيطتْ بالتحذيرات من سوءِ استعمالها فورَ تقريرها وإباحتها، وتولَّى الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بسُنَّته العمليَّة في بيتِه مع أهلِه وبتوجيهاته الكلاميَّة علاجَ الغلوِّ هنا وهناك، وتصحيحَ المفهومات في أقوال كثيرة؛ ورَدَ في السُّنن والمسنَد: عن مُعاويةَ بنِ حَيدةَ القُشيريِّ أنَّه قال: يا رسولَ الله، ما حقُّ امرأةِ أحدِنا عليه؟