عصيان يُرجَى الإقلاعُ عنهما وعدمُ العودة إليهما كما في الآيات السابقة التي عللت ما حل ببني إسرائيل من عقوبة التيه والحرمان بعصيانهم أمر الجهاد، وجراءتهم على مقام الألوهية، وسوء أدبهم مع نبيهم، وجعلت هذه العقوبةَ وعلَّتَها المنصوص عليها أداةً لإصلاحهم وإصلاح ذريتهم من بعدهم، وعبرةً لمن يأتي بعدهم من المسلمين، ومقدمةً بعيدة الغور لإيراد نبأ عدوان أحد ابني آدم على أخيه واتخاذ ذلك علة لتحريم قتل النفس البشرية وإيجاب المحافظة على أمن المجتمع، وتكريس حق الإنسان على أخيه الإنسان، لما بين القصتين - قصة التيه وقصة ابني آدم - من بعدٍ تربوي عميق، وتناسبٍ يحقق هدف التنزيل ومقاصده، وتماثُلٍ يربط المقدمات بالنتائج، يربط جراءةَ بني إسرائيل على ربهم وعصيانَهم أمره إذ قالوا: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} المائدة 24، بتيههم في سيناء وحرمانهم من دخول الأرض المقدسة، ويربط قتل ابن آدم أخاه ورفضَه حكم الله عند تقديمه قربانه برفع ذنب قتل النفس الواحدة بغير حق إلى درجة قتل الناس جميعا، وذلك ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته تذكيرا وتحذيرا إذ أمره تعالى بقوله:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} والمراد بابني آدم ولداه، أما لفظ"ابن آدم"مفردا فيطلق على الواحد من البشر كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (في ابن آدم ستون وثلاثمائة سُلَامَى [[1] ]على كل واحد في كل يوم صدقة، كل كلمة طيبة صدقة، وعون الرجل أخاه صدقة، والشَّربة من الماء يسقيها صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة) ، ويطلق اسما لجنس الإنسان كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (كل كلام ابن آدم عليهِ لا لَهُ، إلاَّ أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله) .
أما تلاوة خبر ولدي آدم في الحادثة المشار إليها {بِالْحَقِّ} فتعني سردها على حقيقتها في الواقع بحمولتها التربوية حكمة بالغة وعظة راشدة، لا كما ترويها أساطير الأولين أو ما ورد في التوراة المحرفة، من زعم أن اسميهما قابيل وهابيل، وأنهما تلاحيا بسبب طمع كل منهما في الزواج
(1) - عظم أو مفصل.