حال العصاة والخائنين والمعتدين، فتحفظَ عهدها مع ربها وتثبتَ على الحق وتتمسكَ بما استُحْفِظت عليه من الكتاب والسنة، وتقيمَ بمنهج الإسلام أمرَ رشد في شأنيها الخاص والعام، اجتماعا واقتصادا وسياسة وعدلا ومساواة وعبودية خالصة لربها، على هذا النحو من التربية والتعليم يواصل الوحي الكريم سعيه لترشيد الأمة المسلمة ودعوتها للاعتبار بحال طائفة من أتباع عيسى عليه السلام انحرفت عن عقيدة التوحيد وتفرقت شيعا ومذاهب ونحلا وذهبت في الكفر مذاهب شتى فقال تعالى:
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} في مستهل هذه الآية الكريمة يبين الحق جل جلاله كفر طائفة من أتباع عيسى بن مريم عليه السلام، وقد فتنوا بما رأوا على يديه من المعجزات التي أخبر بها القرآن بقوله تعالى: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران 49. هذه هي الصورة الأولى من صور الكفر الذي تصدَّت الآية لبيانه، وقد أكده تعالى بثلاثة مؤكدات هي القسم المقدَّر، واللام، و"قد"للتحقيق بقوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ .. } الآية، مثلما أكدوا هم أنفسهم اعتقادهم الفاسد بالجملة الإسمية وحرف"إنَّ"والضمير"هو"الذي استعمل لتأكيد المقولة وحصر ألوهية الله عزّ وجل وربوبيته في المسيح بقولهم: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.
وهذه الآية مثل أختها التي سبقتها في أوائل سورة المائدة وهي: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} المائدة 17، إلا أن هذه سيقت لبيان قدرة الله ومالكيته للكون وضعف عيسى وأمه ومن في الأرض جميعا وافتقارهم إليه بقوله تعالى في تتمتها {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .