فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 278

رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. كانوا يفرحون بالتكاليف أمرا ونهيا وبلاء كما يفرحون بالبشرى لطفا ورحمة، كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء) [[1] ]، أما رسولهم صلى الله عليه وسلم فما كان أشد فرحه إلا بآية توبة ولطف بأمته، أو بشرى تمكين للدين، قال ابن عباس:"نزلت: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الفرقان 70، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح فرحا قط أشد فرحا منه بها وبـ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} الفتح 1/ 3".

وكيف لا يفرح وقد فتحت الأولى لأمته باب التوبة من أكبر الكبائر، وجمعت الثانية أمهات سعادة الدنيا والآخرة، مغفرة، وإتمام نعمة، وهداية للصراط المستقيم، ونصرا عزيزا، وقال صلى الله عليه وسلم عنها إذ نزلت: (لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا) .

ذلك سر خيرية أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعماد استخلافها وائتمانها على الدين إلى يوم القيامة، واستشهادها على الأمم يوم الحساب كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} البقرة 143. لم يكن يشغلها ما تنبته الأرض، لأن نباتها كله مسخر للمؤمن والكافر وكل كائن حي فيها، (ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء) ، ولم تعلق طمأنينتها بنزول مائدة من السماء تأكل منها، لأنها تعرف أن الأرض كلها مائدة طعام لهم ولغيرهم خلقها رب الأرض والسماء، وأن تسخيرها للناس آية من آيات الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} البقرة 168، وما كان لهم من عيد يفرحون به إلا يوم يغفر لهم ربهم إذا ما أتموا صيامهم أو أحيوا سنة أبيهم إبراهيم، أو أكمل الله لهم أمر دينهم وأتم عليهم نعمته إذ نزلت سورة المائدة على أرجح الأقوال في عيدين عظيمين، كمل فيهما الدين وتمت النعمة بعد عصر الجمعةِ يومَ عَرَفةَ في حجةِ

(1) - صحيح الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت