فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 278

وعند الإعداد لفتح مكة يراسل البدري حاطب بن أبي بلتعة سرا مشركي قريش محذرا، فيخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، فيقول له: (ياحاطب، ما حملك على هذا؟) ، فيقول حاطب:"يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم". فيغضب عمر بن الخطاب ويقول:"يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل نافق". إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفه قائلا: (وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) .

هذه ثلاث نماذج مما عاشه المسلمون الأوائل وهم يؤسسون مع نبيهم صلى الله عليه وسلم أول مثال وأكمله لأمة حملت أمانة الدين، وإمامة البشرية نحو مجد الدنيا والآخرة، كانوا بين خوف ورجاء وتضحية وفداء، وترقب عدو وجوع وفقر ولأواء.

واستمر الوحي الكريم يرعاهم ويصبرهم، يرفع معنوياتهم، ويرشد تصرفاتهم، ويزكيهم ويحررهم، ويسكن روعتهم، حتى إذا ما فتحت مكة وآذن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالالتحاق بالملأ الأعلى كانت حجة الوداع ونزول آخر تشريعات من القرآن الكريم، فتم لهم بذلك الدين وكسرت شوكة الخوف وذل الشرك ودانت لهم العرب، ولم يبق مبرر للخوف على مال أو ولد أو أهل كما كان حال حاطب بن أبي بلتعة إذ خاف على ذوي رحمه، ولم يبق عذر لمداهنة في أمر الله أو تستر على دعوة للعقيدة أو كتمان للحق. ولأن من طبيعة النفس البشرية أن تغفل عن النعمة إذا ما غمرتها فلا تذكرها إلا حين تفتقدها، وتستسلم للرخاء إذا عمها فلا تنهض إلا عند زواله، فقد كان من رحمة الله بالمسلمين أن ينبههم إلى ما أفاض عليهم من فضل القوة والتمكين وما هداهم إليه من كمال الدين، وما ائتمنهم عليه من إمامة للبشرية وما ناط بهم من شهادة في الدنيا والآخرة، إعدادا لما ينتظرهم في مرحلة ما بعد النبوة، واستنهاضا لاستلام مسؤولية الرسالة بعد غياب صاحبها، وتبليغها بعد وفاة رائدها صلى الله عليه وسلم، وذلك بقوله عز وجل لهم ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة:

{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} وقد نزلت هذه الآية الكريمة في نفس يوم عرفة من حجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت