ثم عقب الحق سبحانه مبينا علة احتفاظ المصلين بأسلحتهم وهم يصلون فقال:
{وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} يتمنى أعداؤكم الكفار أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم أثناء الصلاة فيهجموا عليكم هجمة واحدة مفاجئة، وينقضوا عليكم بالقتل والنّهب. لذلك كان حمل المصلي سلاحه في جبهة القتال أثناء الصلاة واجبا، زيادة في الحذر من العدو واستعدادا دائما لمناجزته، ولا يجوز له وضع السلاح إلا عند الضرورة المرخص بها بقوله تعالى عقب ذلك:
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} أي لا حرج ولا إثم عليكم أن تضعوا الأسلحة إن أصابكم ضرر من مطر أو مرض، ولا بد في هذه الحالة من أخذ الحذر أيضا {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} لأن الغفلة عن كيد العدو غير جائزة، وحمل السلاح أثناء الصلاة واجب، والعدو يراقب تحركاتكم ويتربص بكم الدوائر. {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} عذابا في الدنيا على يد المسلمين ما اتبعوا سنن النصر صدقا وحسن إعداد، وخلودا في نار جهنم وبئس المصير.
لقد بَيَّنَ تعالى بقوله {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} الآية، حالَ الركعةِ الأولى من صلاة الخوف ولكنه لم يبين حال الركعةِ الباقيةِ لكل من الطائفتين، إلا أن السنة فصلت ذلك بما رواه صالح بن خَوَّاتٍ، عَمَّن صلى مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع: أن طائفةً صَفَّتْ معه، وطائفةٌ وِجاهَ العدوِّ، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتَمُّوا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفّوا وِجَاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلَّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتَمُوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم.
هذا الشكل من صلاة الخوف في غزوة ذات الرِّقاع هو أسهل ما روي فيها وأكثر موافقة لهذه الآيات الواردة في الباب، إلا أن اختلاف ظروف الحرب وأسلحتها وشدتها ومواقعها يجعل الثبات على هذا الشكل متعذرا أحيانا، لذلك صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشكال أخرى تبعا لمرونتها وتكيُّفِها مع الأحوال الطارئة والأوضاع المفاجئة.
-من ذلك صلاته في غزوة عسفان لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصفنا صفين: صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر