فهرس الكتاب
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} (سبأ: 18)
18 -وممَّا أنعَمنا عَليهمْ أنْ جعَلنا قُرَاهُمْ مُتَواصِلَة، مِنْ بِلادِهمْ حتَّى يَصِلوا إلى قُرَى الشَّام، فلا يَقيلُونَ بقَريَةٍ حتَّى يَجِدوا أمامَهمْ قُرًى أخرَى واضِحَة، وجعَلنا بينَ كُلِّ قَريَةٍ وأخرَى مسافَةً مُعيَّنةً يَعرِفُها المسافِرون، فامشُوا فيها باللَّيالي والأيَّامِ وَقتَما شِئتُم، آمِنينَ مُطمَئنِّين، لا تَخافُونَ عَدوًّا، ولا جُوعًا، ولا عطَشًا.
{فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (سبأ: 19)
19 -وطالَتْ بهمُ النِّعمَة، فبَطَروا وطغَوا، وآثَروا الأدنَى على الذي هوَ خَير، وقالوا: اللهمَّ باعِدْ بينَنا وبينَ مَواطِنِ تِجارَتِنا وتنَقُّلِنا، واجعَلها قِفارًا وصَحاري، حتَّى نركبَ الرَّواحِلَ ونتزَوَّد. فأضَرُّوا بأنفُسِهمْ عندَما كفَروا وطغَوا، فجَعلناهُمْ أُحدوثَةً وعِبرَةً لمَنْ بعدَهم، وفرَّقناهُمْ كُلَّ تَفريق، في كُلِّ وَجهٍ وصَوبٍ مِنَ البِلاد. وفيما ذُكِرَ مِنْ قِصَّتِهمْ عِبَرٌ ودَلالاتٌ لكُلِّ صابِرٍ عنِ المعاصي والشَّهوات، شاكِرٍ لنِعَمِ الله.
{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} (سبأ: 20)
20 -وقدْ حقَّقَ فيهمْ إبليسُ ظنَّهُ عندَما وجدَ فيهمْ طَريقَه، فزَيَّنَ لهمُ المعَاصي، وأمَّلَهمْ ومَنَّاهُم، فاتَّبَعوه، إلاّ جَماعَةً مِنَ المؤمِنين، الذينَ ثبَتوا على الدِّينِ الحَقّ.
{وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} (سبأ: 21)
21 -وما كانَ للشَّيطانِ عَليهمْ مِنْ قُوَّةٍ ولا حُجَّة، إلاّ أنَّهُ استَغواهُمْ وغرَّرَ بهم، ودَعاهُمْ فأجابُوه، وإنَّما سَلَّطناهُ عَليهمْ لنُمَيِّزَ المؤمِنَ بالبَعثِ والحِسابِ مِنَ الكافِرِ به، فيكونُ هناكَ امتِحانٌ يُعرَفُ مِنْ خلالِهِ الصَّادقُ مِنَ الكاذِب، فالمؤمِنُ يَثبتُ في الاختِبار، والذي إيمانُهُ غَيرُ ثابتٍ يَتقلَّبُ بشُبَهِ الشَّيطانِ ودَعوَتِه، فيَظهَرُ الكافِرُ مِنَ المؤمِن، والخبيثُ مِنَ الطيِّب. واللهُ رَقيبٌ على كُلِّ شَيءٍ مِنْ أحوالِ العِبادِ وشُؤونِهم.