الصفحة 117 من 1545

259 -وانظرْ إلى هذا الذي مرَّ على قريةٍ خَرِبةٍ مُحَطَّمةٍ على قواعدِها، قدْ سقطتْ سقوفُها وجُدرانُها، ليسَ فيها أحد، ولا يَنطِقُ فيها شَيء. فوقفَ الرجلُ أمامَ هذا المشهدِ المحطَّمِ الميِّتِ البالي، وقال: كيفَ يُحيي اللهُ هذهِ القَريةَ بعدَ أنْ ماتَ فيها كلُّ شيء، فلا حِسَّ ولا حرَكة؟!

فأماتَهُ اللهُ مائةَ عام، ثمَّ أحياهُ بقُدرتِه، وقيلَ له: كمْ بَقيت؟

قال: بقيتُ يومًا أو أقلَّ! قيلَ له: بلْ بقيتَ مائةَ عامٍ مَيتًا! فانظرْ إلى قُدرتِنا على إماتَتِكَ وعلى إحيائك، وانظرْ إلى طعامِكَ وشرابِكَ كيفَ حَفِظْناه، فلمْ يَتعفَّنْ ولم يَتغيَّرْ طَعمُهُ كلَّ هذهِ المدَّةِ الطويلة، بلْ هوَ كما تركتَهُ قبلَ أنْ نُميتَك.

وهذا حمارُكَ الذي كنتَ راكبًا عليه، انظرْ كيفَ نَخِرَتْ عظامهُ وتمزَّقتْ أوصالُه!

ولنَجعَلَكَ عِبرةً ودلالةً على البَعثِ بعدَ الموت.

وانظرْ إلى هذهِ العِظامِ المتفرِّقةِ لحمارِكَ كيفَ نرفعُ بعضَها إلى بعضٍ ونجمعُها في أماكنِها ونُلَبِّسُها لَحمًا ونُحييها!

فلمّا تبيَّنَ لهُ كلُّ ذلك، وتَوضَّحَ لهُ الأمرُ عِيانًا، أيقنَ بذلكَ تمامَ الإيقان، وقال: أعلمُ أنَّ اللهَ قادرٌ على كلِّ شيء، لا يَصعُبُ عليهِ أمر.

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:260)

260 -وقال نبيُّ اللهِ وخليلهُ إبراهيمُ عليهِ السلامُ داعيًا ربَّه: بَصِّرْني كيفَ تُحيي الموتَى ياربّ، لأرَى ذلكَ عِيانًا.

فقالَ لهُ ربُّه: أوَلم تؤمنْ بأنِّي قادرٌ على الإحياءِ يا إبراهيم؟

وهوَ يعلمُ سبحانَهُ أنَّهُ أثبتُ الناسِ إيمانًا وأقواهُمْ يَقينًا.

فقالَ عبدهُ ونبيُّهُ إبراهيمُ عليهِ السلام: بلَى ياربّ، قدْ عَلِمتُ وقدْ آمَنت، ولكنِّي أريدُ أنْ أرَى ذلكَ عِيانًا، ليَنضمَّ ما أراهُ إلى ما أعتَقِدُهُ يقينًا، فأزدادُ بالمشاهدةِ بَصيرة، ويطمئنُّ بذلكَ قلبي، فإنَّهُ يَسْكنُ إذا عاينَ شيئًا وشاهدَه، وليسَ الخبرُ كالمعَايَنة.

قالَ صاحبُ"روح المعاني": ولا أرَى رؤيةَ الكيفيَّةِ زادَتْ منْ إيمانهِ المطلوبِ منهُ عليهِ السلام، وإنَّما أفادتْ أمرًا لا يَجِبُ الإيمانُ به"."

فاستجابَ اللهُ دُعاءَه، وأراهُ كيفيَّةَ الإحياءِ عِيانًا، وقالَ له: خُذْ أربعةَ طُيور، فاذبَحْها وقَطِّعْها ومَزِّقْها، وفَرِّقْ أجزاءَها على جِبال، ثمَّ نادِها، فَسوفَ تأتيكَ مُسرِعَة. فاجتَمعتْ أجزاؤها مرَّةً أخرَى، وعادتْ إلى الحياةِ بإذنِ الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت