مَوضعٍ أسفلَ منكمْ إلى سَاحلِ البحر، ولو تواعدتُمْ أنتُمْ والمشرِكونَ علَى القِتالِ لما تلاقَيتُمْ في ذلكَ الوقتِ ولا مكانِه، فقدْ خرجتُمْ أنتُمْ لإصابةِ القافِلة، وهُمْ خَرجُوا لمنعِكُمْ مِنْ ذلك، وأنتُم في قِلَّةِ عددٍ لا تَوَدُّونَ لقاءَهم، ولكنَّ اللهَ قدَّرَ الميعادَ والحربَ بتَدبيرِه، ليَنْصُرَ المؤمِنين، ويَقْهَرَ أعداءَهم، ويُعِزَّ دينه، ويَرفَعَ كلمةَ الحقِّ على الباطِل، ليَموتَ مَنْ يموتُ عنْ بيِّنةٍ رآها، وعِبْرَةٍ عايَنها، وحُجَّةٍ قامَتْ عليه، ويعيشَ مَنْ يعيشُ عنْ حُجَّةٍ شَاهدَها، ويَصيرَ الأمرُ ظاهِرًا، ولا يَبقَى لأحَدٍ حُجَّةٌ ولا شُبهة.
أو لِيَصدُرَ كُفْرُ مَنْ كفرَ وإيمانُ مَنْ آمنَ عنْ وضوحٍ وبيِّنة، فإنَّ وقعةَ بَدرٍ كانتْ منَ الآياتِ الواضِحة، والحُجَجِ الظاهِرَة، لمنْ أرادَ أنْ يَتدبَّرَ ويَعتَبِر.
واللهُ سَميعٌ لتضرُّعِكمْ واستِغاثَتِكم، عليمٌ بنيّاتِكمْ وإخلاصِكم، وأنَّكمْ تستَحِقُّونَ النَّصرَ على أعدائكم.
{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43]
43 -واذكرْ أيُّها النبيُّ إذْ يُرِيْكَ اللهُ المشرِكينَ في مَنامِكَ قَليلًا، لِتُخْبِرَ بهِ أصحابَكَ فيَثْبُتوا ويتَشجَّعوا، ولو أراكَهُمْ في المنامِ كثيرًا لجَبُنتُمْ وهِبتُمُ الإقدام، واختَلفتُمْ في الإحجامِ والإقدامِ على الحَرب، وتفرَّقَتْ آراؤكم، ولكنَّ اللهَ سلَّمَكُمْ مِنْ ذلك، وهوَ عليمٌ بما في صُدورِكُمْ وما تُخفيهِ مِنَ الشَّجاعةِ والجَزَع.
{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} [الأنفال: 44]
44 -واذكرُوا نِعمةَ اللهِ عليكمْ مَعشرَ المؤمِنين، إذْ يُريكُمْ أعداءَكمُ المُشرِكينَ في عُيونِكمْ قليلًا لتجرُؤوا عليهم وتَطمَعوا في النَّصرِ قَريبًا، حتىَّ ظنَّ بَعضُكم أنَّهمْ بينَ السبَّعينَ والمِئة! ويقلِّلُكمْ في أعينِ أعدائكمْ قُبَيْلَ القِتالِ إغراءً لهمْ على قِتالِكم، حتَّى قالَ أبو جَهل: إنَّما أصحابُ محمَّدٍ أكْلَةُ جَزور! وكانَ هذا مَدْعاةً لهمْ ليترُكوا الاستِعدادَ والاستِمداد.
وعندَ الالتحامِ كثَّرَكُمْ في عُيونِ المُشرِكين، لِيَجْبُنوا وتَختَلَّ عزائمُهُمْ في الحَرب. وهذا التَّدبيرُ منَ اللهِ ليُلقيَ الحربَ بينَ الفَريقَين، وليُعليَ الإسلامَ ويُعِزَّ أهلَه، وينتَقِمَ منَ الذينَ كفَروا ويُذِلَّهم. والأمورُ كلُّها تَرْجِعُ إلى الله، فيُصَرِّفُها كيفَما شاء، لا رادَّ لأمرِه.