الصفحة 577 من 1545

بَهرَكُنَّ، وحاوَلتُ مَعَهُ ليَنالَ منِّي فامتَنَعَ وأبَى إباءً شَديدًا، وإذا لم يُطاوِعني فيما دَعَوتُهُ إليه، ليُعاقَبَنَّ بالسَّجن، ويَكونَنَّ منَ الأذِلَّةِ المُهانِين.

{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف: 33)

33 -قالَ يوسُفُ عليهِ السَّلامُ يُناجي ربَّه، وقدْ عَرَفَ إصرارَ امرأةِ العزيزِ على الفَاحِشة، وتَمادِيها في غَيِّها، كما تَدَخَّلتْ نِساءُ القَصرِ وخَوَّفْنَهُ منْ عاقِبةِ مَخالَفَتِها، أو أنَّهُنَّ دَعَونَهُ إلى أنفُسِهِنَّ كذلك، فقالَ وهو يَبغي الخُروجَ مِنْ هذهِ الفِتنَة: يا ربّ، إنَّ العُقوبةَ بالسَّجنِ أفضَلُ عِندي مِنْ إتيانِ الفَاحِشة، الذي يؤدِّي إلى سَخَطِك، وإلى الشَّقاءِ والعَذابِ الأليم. (والأَولَى بالمَرءِ في هذا أنْ يَسألَ اللهَ العَافيةَ مِنْ هذا وذَاك) . وإذا لم تَدفَعْ عنِّي مَكرَهُنَّ وحَبائلَهُنَّ، ووكَّلتَني إلى نَفسي، أمِلْ إليهِنَّ وأكُنْ منَ المُذنِبين.

"وهيَ دَعوَةُ الإنسانِ العَارِفِ ببَشَرِيَّتِه، الذي لا يَغتَرُّ بعِصمَتِه، فيُريدُ مَزيدًا منْ عِنايَةِ اللهِ وحِياطَتِه، يُعاوِنُهُ على ما يَعتَرضُهُ منْ فِتنَةٍ وكَيدٍ وإغراء". قالَهُ صاحبُ"الظِّلال".

{فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (يوسف: 34)

34 -فأجابَ اللهُ دُعاءَ يوسُف، وأبعدَ عَنهُ مَكرَهُنَّ، وثَبَّتَهُ على العِصمَةِ والعِفَّة، إنَّهُ سَميعٌ لدُعاءِ المُتَضَرِّعينَ إليه، عَليمٌ بأحْوالِهمْ وبما يُصلِحُهم.

ومَواقِفُ الشبابِ منَ الشَّهواتِ وثَباتُهُمْ أمامَ المُغرَياتِ في جَوٍّ مَليءٍ بالفِتَنِ صَعبٌ جِدًّا، وكانتِ امرأةُ العَزيزِ في غايَةِ الجَمال، معَ ما هيَ عَليهِ منْ ثَراءٍ وجَاه، وامتنعَ يوسُفُ عليهِ السَّلامُ منَ الفَاحِشَةِ خَوفًا منَ الله، واختارَ السِّجْنَ على ذلك، وهذا مِنْ عِصمَةِ اللهِ له، وممّا جَمَّلَهُ بهِ منَ الإيمانِ والتَّقوِى، والعَزيمةِ والصبر.

وفي الحديثِ الصَّحيحِ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم فيمَنْ يُظِلُّهمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلاّ ظِلُّه:"رَجُلٌ دَعَتْهُ امرَأةٌ ذاتُ جَمالٍ ومَنْصِب، فقال: إنِّي أخافُ الله". مُتَّفَقٌ عليه.

{ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} (يوسف: 35)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت