أفلا يَسيرُ هؤلاءِ المُكَذِّبونَ في الأرْض، ليَرَوا بأعيُنِهمْ آثارَ الغابِرين، أو يَسألوا النَّاسَ ويَقرَؤوا التَّاريخ، كيفَ كانتْ عاقِبةُ المُكَذِّبينَ بالرسُل، كيفَ أهلكَهمُ اللهُ بسَبَبِ تَكذيبِهمْ وإصرارِهمْ على الكُفر؟
وإنَّ الدارَ الآخِرةَ الباقيَة، والجنَّةَ ونَعيمَها، خَيرٌ لمَنْ ثبَتَ على طاعَةِ اللهِ وتَقواه، مِنَ الدُّنيا الفانيَةِ ومُنَغِّصاتِها، أفلا تَعقِلونَ وتَتَدَبَّرونَ سُنَنَ اللهِ في الأقْوامِ السَّابِقين، لتُمَيِّزوا الصَّحيحَ مِنَ السَّقيم، وتُفَضِّلوا الباقيَ على الفَاني؟
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (يوسف: 110)
110 -حتَّى إذا يئسَ الرسُلُ منِ استِجابَةِ الكافِرينَ المُجرِمين، ولم يُتابِعْهمْ على دَعوتِهمْ إلاّ القَليلُ مِنَ المؤمِنين، وصبَروا على تَكذيبِ الكافِرينَ واستِهزائهم، وعلى تَماديهمْ في الكُفرِ والضَّلالِ سَنواتٍ وسَنوات، وقدْ بلَغَ الجَهدُ والكَرْبُ بالرُّسُلِ ما بلَغ، وصَاروا يَنتَظِرونَ الوعدَ بالنَّصر، وكأنَّهمْ لا يَرونَهُ قَريبًا، حتَّى تَوهَّموا أنَّ نُفوسَهمْ كذَّبَتْهُمْ حينَ حدَّثَتْهُمْ بأنَّهمْ سيُنْصَرون، عِندَئذٍ جاءَهمْ نَصرُنا ...
أو أنَّ أتْباعَ الرسُلِ ظَنُّوا ذلك ...
وبقراءَةِ"كُذِّبوا"بالتَّشديد، يَعني أنَّ الرسُلَ كُذِّبوا مِنْ قِبَلِ أقوامِهم تَكذيبًا لا إيمانَ بعدَه ... جاءَهمْ نَصرُنا فَجأة، حاسِمًا فاصِلًا ...
فنُنَجِّي مِنْ بينِهمْ مَنْ نشَاءُ مِنَ الهَلاك، وهُمُ الرسُلُ وأتْباعُهم، ويَحِلُّ بأسُ اللهِ بالكافِرينَ المُكَذِّبين، ولا يَستَطيعُ أحَدٌ أنْ يَرُدَّ العَذابَ عنهم.
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف: 111)
111 -لقدْ كانَ في خبَرِ الأنبياءِ معَ أُمَمِهم، ومِنْ ذلِكَ قِصَّةُ يوسُفَ معَ إخوتِهِ وأبيه، ثمَّ سَجنُهُ ومَآلُ أمرِه، تَذكِرةٌ وعِبرَةٌ لذَوي العُقول، أهلِ الفِكرِ والاعتِبار.