فهرس الكتاب
جاءَهمْ ما لم يَعْهَدوهُ في آبائهمْ وأجدادِهمْ فأنكَروه؟ إنَّ الواجِبَ عَليهمْ أنْ يؤمِنوا، ولا يَبقوا كآبائهم، فقدْ نزلَ القُرآنِ فيهمْ دونَ سابقِيهم، وعَليهمْ أنْ يُدرِكوا هذهِ النعمَةَ العَظيمَة، فيَشكروا اللهَ عليها ويؤمِنوا.
{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} (المؤمنون: 69)
69 -أمْ أنَّهمْ لم يَعرِفوا نبيَّهمْ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم الذي أُرسِلَ مِنْ بينِهم، في صِغَرِهِ وكِبَرِه، في صِدقِهِ وأمانتِه، وفي حِلمِهِ ووَفائهِ بالعُهود، وفي صَبرِهِ وشَفقَتِهِ على قَومِه، وفي كُلِّ كَمالٍ يَنشُدُهُ الإنسانُ مِنْ خُلُقٍ وعمَل، ولذلكَ فهمْ يُنكِرونَ نبوَّتَه؟!
{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (المؤمنون: 70)
70 -أمْ أنَّ سُفَهاءَ المُشرِكينَ يَقولونَ إنَّ محمَّدًا قدْ أصابَهُ مَسٌّ مِنَ الجُنونِ فهوَ يَهذي بما لا يَعرِف؟! بلْ جاءَهمْ بالحَقِّ والعَدل، والصِّدقِ الذي لا يُنكَر، لوضوحِه، ولتأييدِهِ بالمُعجِزاتِ الظَّاهِرَةِ والمُقنِعَة، ولكنَّ أكثرَهمْ مُعانِدون، كارِهونَ للحَقّ، مُبغِضونَ للحُجَّةِ والدَّليلِ مادامَ ليسَ في هَواهُم، فلا عجبَ أنْ لا يُؤمِنوا وهمْ كذلك، وقدْ دَلَّ مَوقِفُهمْ على طَبيعَتِهمُ المُنحَرِفَة، وزَيغِهمْ وضَلالِهم.
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} (المؤمنون: 71)
71 -ولو اتَّبَعَ اللهُ مُرادَهمْ فيما يَفعَل، وأجابَهمْ إلى ما في أنفُسِهمْ مِنَ الهَوى، وشرَعَ الأمورَ على مُعتقَداتِهمُ الشِّرْكيَّة، لفسَدَ ما في السَّماواتِ والأرض، وبطَلَ ما فيهما منْ حَياةٍ وعمَل، لأهوائهمُ الفاسِدَة، واختِلافِ آرائهمْ وتَناقُضِها وتَهافُتِها، وعدَمِ واقعِيَّتِها وملاءَمَتِها للحقَائقِ الكَونيَّة، لجَهلِهمْ وعدَمِ مَعرِفَتِهمْ بنواميسِها ودِقَّتِها، بلْ أتَيناهُمْ بالقُرآنِ الكَريم، الذي فيهِ الحَقُّ المُطلَق، وفيهِ عِزُّهمْ وفَخرُهم، ولكنَّهمْ مُعرِضونَ عنْ مَصدَرِ عِزِّهمْ وشرَفِهمْ هذا، غَيرُ مُبالِينَ بهِ ولا مُقبِلينَ عَليه.