حين منشئها بروح الاستقلال الوطني بل بتاريخ السودان المسلم المنزوي شيئا ما عن محور النشاط الاسلامي العربي. ولعل الحركة في مصر أيضا لم تبرا حين منشئها من الانفعال بذكرى الخلافة المضيعة وحين ازدهارها محورية مصر عامة ورائديتها للصحوة الإسلامية. ولعل الحركتين لم ترها معا من عدوي التوتر السياسي السوداني المصري الناعم.
ولكن الحركة السودانية لا تنشغل ولا تنحصر بالواقع المحلي عن آفاق العالم اهتماما بأمر المسلمين بل بأحوال العالم وادراكا أن العالم غدا رقعة واحدة وثيقة الاتصال. فكا عني المسلمون في مكة وهم في قلة وذلة بأن تغلب الروم أو الفرس. وفي المدينة باستصراخ المستضعفين في مكة، وكما مد المسلمون الأوائل - وهم محصورون - نظرهم وأملهم نحو مرامي الدعوة والفتح وراء الجزيرة العربية. فان الحركة في السودان ما كان لها - ايمانا بعالمية الرسالة الدينية التي تنزع نحو المطلق ولا يحتويها ظرف المكان، وبوحدة الأرض التي وضعت وسخرت للأنام وأتيحت لمسعاهم بالحق والنفع ولابتلائهم بالخير والشر - ما كان لها - إلا أن تتجه نحو العالم باهتمام رجاء وخيفة وأن تقبل عليها مسليا وكافرا. وليست هي في شيء من الغرور بالعصبية الوطنية أو من الجهالة بمغزى البعد العالمي، بل أن سائر بني وطنها المركب الطبيعة قد سلموا من العجب بقومية أو الانغلاق في وطنية وأولعوا بتتبع شؤون العالم والتفاعل مع ظواهره وقواه.
هكذا ذهبت الحركة إلى مذهب التوازن بين المحلية والعالمية او الخصوصية والعموم. والى أن الوحدة المتمثلة في العالمية والعموم هدف لا يبلغ بالقفز اليه راسا. بل يقارب بالمجاهدة المتقدمة في المراحل المترقية في المقامات بدءا من المحلية والخصوصية - على مثل ما يبدأ الدين في كل شأنه من المبتدا القاصر ثم يتقدم ويترقي تدرجا نحو الكمال. ولذلك لم تقبل الحركة نظام التبعية المركزية منهجا أولية لعلاقات الحركات الإسلامية، ولتن