كان في مصطلح البيعة بأصله سعة وتسبية، فانه حين يطلق في هذا السياق انما يستعمل قياسا على البيعة السياسية التامة لإمام متمكن السلطان. وذلك أمر غير متحقق بالطبع - إلا أن يعدل بالقياس الى تقاليد بيعة الهينات الصوفية والحركات الجهادية غير المتمكنة. ومهما يكن فان تاريخ المسلمين قد اكتنف مصطلح البيعة بمعاني الاتباع والطاعة والتسليم لمحور شخص واحد. وغالبا ما أوحى ذلك بأن الأمر كله اشارة من الإمام دون شوري من جماعة الاتباع. بل غالبا ما زين لواحد بايعه طائفة من الناس ان يضفي على ذاته شرعية مطلقة يرمي من لا ينخرط فيها بالمروق والبغي. وقد انتهت البيعة الكبرى ذاتها إلى وضع اختلت فيه عناصر الوحدة بين صور الدين الفعلي والمثالي. فأصبح الخليفة المبايع رمزا. منصبا على خواء عاضلا من أسباب الوحدة المؤثرة. ولم يبق له إلا أن تضرب باسمه السكة ويدعى له على المنابر. ولقد بدأت سنة البيعة في الحركات الاسلامية الحديثة تقليدية ومحدودة، ثم تقومت من بعد بالشوري، لكنها حين طمحت نحو العالمية عوقها تباعد الواقع وتباينه وخذها الحجز عن التمكن، فعادت في بعدها العالمي رمزية لا تمثل محور توحيد فكري أو عملي فعال، ولربما يزين اتخاذ الرمز ولو كان غير فاعل حفظا للمثال ورجاء وأملا، ولكن الحركة الاسلامية بالسودان آثرت العدول إلى مصطلح والالتزام، لا والبيعة لاتقاء ظلال المعاني التقليدية ولحين استيفاء شروط التمكن. ورات الالتزام المركزي الشامل اليوم اعتسافا للمراحل وجنوحا بالتوازن بين الوحدة والفعالية إلى ما يوقع خللا ويحدث ضررا بالدين المحلي، فالحركة الإسلامية في العالم أولى في هذه المرحلة بأن تبقى فكرا واحدا مشتركا دون الزام، وتجربة واحدة تتجاوب دون تقليد، وجبهة تتناصر دون رهق أو حرج.
لذا اقترحت الحركة منهجا للعدل بين التركيز المحلي - تمكينا وتأمينا بغير تعصب. والامتداد نحو الوحدة الاسلامية العالمية بغير تسيب، وارادته