الصفحة 46 من 378

في السوق. إن الدولة علم والتاريخ حركة. العلم يحتاج العلماء والحركة تحتاج التنظيم. أما روح طرفة بن العبد وأخلاق امرؤ القيس وحيلة أبو سفيان وعنجهية أبو جهل وفهلوة كل البهاليل وقيم كل القبائل والسلالات والعائلات فلا تؤدي إلى ذلك.

يمكن كم الفم. يمكن تقييد الأبدي. يمكن الحد من نشاط الإنسان. ولكن لا يمكن توقيف مسيرة الروح، مسيرة الفكرة. ناموس الفكرة، هو ناموس لسرعة، ككرة الثلج، التي تتحول إلى زلزال هادر. من الممكن خنق الإنسان. قتله وسحقه. سيكون ذلك دوما على مستوى أفقي. ولكن هناك مستوى آخر هو الأهم: المستوى العمودي، أي الاحتكاك المباشر مع الله الأكبر من كل كبير. هذا العمودي لا يستطيع الناس أن يكسروه أو يسكروه عندما لا يبقى للإنسان سوى العامودي فحينئذ يكون الأكثر حرية. فالله له وليس له سواه وهذا مطلق التحرير. وكم من سجين بجد حريته الحقيقية في سجنه وكم من طليق يجد سجنه في حريته. إن أكبر مأساة أن يشعر الإنسان بالسجن وهو خارج جدرانه وهذا ما أشعر به وأنا أقطع المئة خطوة من مكتبي إلى قاعة المحاضرة في جامعة الكويت. كان بإمكاني أن أتبع مبدأ التقية كما يفعل الباطنيون، ولكنني اخترت أن أموت على الطريقة الإسلامية: غزوا على صهوة الكلمة، لأنني كمسلم أؤمن بأن الكتابة نوع من الشهادة، الكاتب الحقيقي والمفكر الحقيقي هو الذي يذبح بسيف كلماته.

إني من الذين يعشقون المفكرين الذين يسيرون على حد الخنجر وأظن أن النوم على حد الخنجر ليس نوما مريحا. الكويت اليوم بحاجة الكلمة حرة تضع السكين في قاع جرحه، وأتصور أن هذا الكتاب هو جزء من الكلمة الحرة التي يجب أن تقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت