الاختلافات المذهبية ستعمل على ايجاد التفرقة. وثمة مثال يمكن أن يعمل على إيضاح هذه النقطة:
هناك فصل من أحد المؤلفات الدينية كتبه المفكر الديني العظيم الإمام الغزالي (1059 - 1111) ، فصل يکاد مماثلا لفصل في كتاب ألفه معاصره القريب منه، الفيلسوف اليهودي «بهي - أو باهي - (Balye) ابن باکودا (*) .
وكان التقارب بين الكتابين قد حير العديد من المثقفين، فذات مرة، سار الافتراض بأن «بهي، قد أخذ محتوى عن فصله الغزالي بما أن بهي كان قادرة على قراءة العربية بينما لم يكن الغزالي قادرا على قراءة النص العبري الذي کتب به عمل «بهي» ، وعندما تبين أن لا سبيل إلى امكانية أن يرى بهي أو يقرأ كتاب الغزالي، ظلت هذه المسالة غير قابلة للحل إلى أن عثر المرحوم الأستاذ
باند (Banoch) على الجواب: وهو أن كان هناك نص، لم يكن معروفة من ذي قبل، وتبين أنه المصدر المشترك للفصلين اللذين كتباهما الغزالي ويهي. وهذا النص هو سر التشابه الصريح بين الاثنين. ومما يجعل هذه القضية أكثر لفتأ للنظر هو أن نصرانيأ كان قد كتب ذلك المؤلف القديم. وبذلك يكون لدينا نصراني يكتب بحثا يفترض بأنه مخصص لقراء مسيحيين، ثم يطلع عليه في حينه - ولنقل يقتبسه - اثنان من علماء الدين اللاحقين، أحدهما مسلم والآخر يهودي، كان قد ألف كل منهما كتابة حول الارشاد الديني خاصة بأبناء مذهبه هو، وإن مجتمعة يكون فيه الاقتباس ممكنة بين رجال روحانيين من إديان ثلاثة مختلفة لهو مجتمع حقق فعلا درجة من التسامح والتكامل أو التعايش المشترك.
في أواخر العصور الوسطى، تأخذ مثل هذه العلاقة بالضمور، فأصبحنا نجد القليل فالأقل من مثل هذه المشاركة في الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، كما أصبحنا نرى حالا يتفاقم فيه الانعزال والفرقة، وهناك فترات أطول وأكثر تكرارة كانت تفرض فيها القيود على أهل الذمة. وبينما كان هناك تغاض عن هذه القيود عموما خلال الأزمنة المبكرة، ولا تطبق إلا لماما، فقد أصبحت تطبق في الأزمنة اللاحقة بصرامة أشد، وغدت العلاقة الملونة مي العلاقة المشوية بالذم والتجريح، وحتى بالتحقير أحيانا، وبخاصة في شمال
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) بهي - باهي - بن باكودا Bahye Tin Pakuda