الشرع ضد دعاوى الغواية التي كانت تقوم بها المذاهب الشيعية المتطرفة، أي التحدي السياسي - العسكري الذي كان يشكله الخليفة الفاطمي والاساات الارهابية التي كان يمارسها الحشاشون الاسماعيليون. وفي هذا الجهاد الثلاثي الجبهات ضد المسيحية والوثنية والهرطقة، صار المسلمون أشد اهتماما بالانسجام الداخلي، وأقل تسامحا مع التعددية، ورغم أن هذا الموقف لم يكن بالدرجة الأولى موجهة ضد الأقليات الدينية، فقد كان له تأثير سلبي على هذه الأقليات.
وهناك سؤال له بعض الأهمية: إلى أي مدى كان المسلمون يفرقرن في مواقفهم تجاه الكفرة، بين مواقفهم تجاه اليهود ومواقفهم تجاه النصارى؟ من حيث المبدأ، وكما كان يلاحظ، كانت حالتا التفريق هما التمييز الديني بين الموحدين والمشركين والتمييز السياسي بين الأعداء من غير الرعية وبين أهل الذمة الذين هم جزء من الرعية. وكان المسلمون بوجه عام يظهرين القليل من الاهتمام بالمذاهب المتفرعة عن الموحدين، وكانوا يحبذون رؤية العالم الخارجي كله على أنه كل خال من الفراق، وذلك تمشية مع المبدأ الذي غالبا ما يستشهد به وهو «الكفر ملة واحدة» ، أي أن عدم الإيمان مذهب واحد.
كان المسلمون، بصورة عامة، أكثر اهتماما بالفوارق فيما بين غير المسلمين من رعاياهم هم. وكانوا يرون أن عليهم التعامل معهم بعدد من الأساليب: في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي أوروبا المسلمة كان المسيحيون واليهود يشكلون الأغلبية غير المسلمة الساحقة، وكان هؤلاء معروفين لدى المسلمين، وقد سبق للنبي محمد أن تعامل مع هاتين اللتين كلتيهما، وهما مذكورتان بشكل صريح في القران الكريم وفي كتابات التراث. وقد تعود عليهم المسلمون كشركاء في المواطنة، بل الأدق، كجيران، وأحيانا كموظفين. وكان الكثير من المعلومات المتعلقة بمعتقداتهم، وكذلك المتعلقة بممارساتهم، متاحة للمسلمين عن طريق الذين تخلوا مؤخرا عن ديانتهم ودخلوا في الاسلام، وحقيقة الأمر أن أمالي غرب إيران وشمال الصحراء الكبرى كانوا جميعا من المسلمين المنحدرين فعلا من المسيحيين، والمنحدرين ولكن بنسبة أقل من اليهود، ذلكم المسيحيون واليهود الذين أسلموا. وفي معظم هذه البلدان الاسلامية ظلت المسيحية أو اليهودية، وأحيانا كلتاهما، قيد الوجود.
وبكلام أكثر شمولا، كان المسيحيون واليهود يعاملون بأسلوب واحد.