وأحيانا كنا نرى إحدى الملتين على حال أفضل، وأحيانا تكون الأخرى على هذا الحال الأفضل، غير أن هذا كان عائدة لظروف معينة لا إلى المبادئ العامة. ويبدي القرأن الكريم تفضيلا صريحة للمسيحيين. والتراث الاسلامي يظهر أكثر من ذلك وهو يسرد ظروف سيرة النبي محمد. وبشكل عام فإن صورة اليهود التي ترسمها الأحاديث الشريفة هي صورة سلبية - لكن هذه السلبية تكون أقل عند البحث في معتقدات النبي وأفعاله، وتزداد هذه السلبية لدى الرجوع إلى علاقات اليهود مع النبي ومع المسلمين. وبالاستناد إلى قول الكاتب العربي الكبير، الجاحظ في القرن التاسع: كانت العامة من المسلمين تفضل المسيحيين على اليهود لعدد من الأسباب، أهمها، كما يقول، إن اليهود، وعلى عكس ما كان عليه المسيحيون، كانوا نشيطين في مقاومة النبي محمد في المدينة المنورة، وقال الجاحظ (ما معناه) :
.إن الجهاد ضدهم (ضد اليهود) كان طويلا وشاقا، وكان يعلن بشكل متزايد، فتراكمت الضغائن وتضاعفت الكراهية وترسخ الغيظ بقوة. أما النصارى، ونظرا لحقيقة أنهم كانوا يقيمون بعيدة جدا عن المكان الذي تلقى فيه النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، وعن المكان الذي حج إليه، فلم يعمدوا إلى الافتراء على الاسلام، ولا كان لديهم فرصة حبك المكائد ولا هم اتحدوا من أجل الحرب. إذا، فذاك هو السبب الأول الذي جعل قلوب المسلمين تقسو على اليهود، ولكنها تأخذ المسيحيين برأفتها ... »
بالاضافة إلى هذا السبب التاريخي الناجم، حسب قول الجاحظ، عن ظروف عارضة، نراه يعدد أسباب أخرى منها أن المسيحيين كانوا يشغلون مراکز مهمة كموظفي حكومة ورجال حاشية وأطباء النبلاء وعطارين ورجال مصارف، بينما كان اليهود عادة صباغيين ودباغين ونحاسين وجزارين وصفاحين (سمكريين) ... وهكذا، عندما كانت تنظر العامة إلى النصاري واليهود من هذه الزاوية، كانت تتصور أن مذهب اليهود يحتل نفس المنزلة بين المذاهب الأخرى، المنزلة التي هي موقع منهم فيما بين المهن الأخرى. وثمة سبب أخر وراء تفضيل المسيحيين من قبل عامة المسلمين، هو أن هؤلاء، ورغم قبحهم، هم أقل بشاعة من اليهود الذي ترسخت بشاعتهم بتناسلهم بعضهم من بعضهم الآخر، ثم يضيف الجاحظ (ما معناه) :
.والسبب في أن المسيحيين أقل قبح - مع أنهم بشعون بلا شك -