الصفحة 148 من 212

منزلة مواطن من الدرجة الثانية. وفي الزمن الراهن يستثير هذا التعبير الادانة الرسمية العلنية، وقد أصبح عبارة لازمة تشير إلى التعصب أو التحيز المرفوض الذي تمارسه فئة مهيمنة ضد فئات أخرى من المجتمع نفسه. ولكن هذه العبارة

جديرة بالتدقيق فيها عن كثب، فالمواطنة ذات الدرجة الثانية، ورغم كونها طبقة اجتماعية ثانية، فهي تبقي نوعا من المواطنة. وهي تشتمل على بعض الحقوق وليس كلها، وطبيعي أن هذا أفضل من الحرمان من الحقوق كافة، ولا شك في أن هذا أفضل من نوع الأوضاع السائدة حاليا في عدد من الدول، حيث الأقليات - وحتى الأغلبيات من هذه الناحية - لا تتمتع بأية حقوق مدنية أو انسانية حقيقية، رغم جميع المبادئ البراقة المدفونة في الدساتير، ولكن بلا أية فاعلية اطلاقا. والوضع المعترف به، ولو أنه وضع دوني بالنسبة إلى الفئة المهيمنة، والذي يكفله القانون، وتقره العادات والتقاليد، وترسخ بموافقة المواطنين عليه، مثل هذا الوضع لا يدعو إلى الاحتقار.

في ظل الحكم الإسلامي، ظل مثل هذا الوضع مقبولا زمنا طويلا، مع امتصاض كان يحس به المسيحيون ومع امتنان كان يبديه اليهود. لكن هذا الوضع لم يعد مقبولا بعد أن عمت موجة من الامتصاص فيما بين الرعايا المسيحيين في الدول الاسلامية تمثلت في عدم الرغبة في الاستسلام للاذلال، أو الاستسلام حتى للتهديد بالاذلال، وهو الوضع الذي كان سائدة في النظام القديم. وأتت موجة الامتصاض من تنامي قوة المسيحية من جهة، ومن الأفكار الراديكالية التي أتت بها الثورة الفرنسية من جهة أخرى. وفي الوقت الذي غدا فيه المسيحيون - في هذا الوقت بالذات - أقل استعدادا لتقبل القيود، كان المسلمون - ولعدد من الأسباب المائة - قد أصبحوا أكثر اقتناعا بضرورة هذه القيود، وطوال الأزمنة التي كانت فيها الامبراطوريات الاسلامية محافظة على تفوقها، إن عن حق أو عن توهم، كان المسلمون مستعدين للتساهل مع السيطرة القوية المتزايدة على الحياة الاقتصادية من قبل الأقليات. أما وقد حدث التغير في العلاقات الاقتصادية، ثم في القوى العسكرية ما بين الاسلام والمسيحية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والأهم من هذا أنه مع ادراك المسلمين المتأخر بأن هذه التغيرات قد حدثت فعلا، أما وقد كان ذلك، أنذاك أصبحت هذه الحالة المتمثلة بقوة الأقليات الاقتصادية مصدرة للقلق، ثم تحولت في النهاية إلى مصدر للنقمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت