الصفحة 150 من 212

وليس من المستغرب تاريخية لاقتصاد متخلف نسبيا أن يصحو عن طريق صدمة تجارية تأتيه من مجتمع أخر أشد حيوية وأكثر تطورا. والشيء الخاص في قضية الشرق الأوسط، أثناء زمن التوسع الأوروبي، أن العملاء والمنتفعين الذين أفرزتهم التطورات الاقتصادية كانوا غرباء عن كلا الطرفين (الاسلامي والمسيحي الأوروبي) . وطبيعي أن الأجانب كانوا أوروبيين. ولكن حتى في الشرق الأوسط كان نور الفاعلية الأساسيون إما من الأجانب أو من أفراد الأقليات الدينية الذين كانوا ينظر إليهم ويعاملون من قبل المجتمع السائد على أساس أنهم هامشيون في هذا المجتمع. والطبقة الوسيطة - ويستعمل بعض المؤرخين عبارة «كومبرادور، - التي نشأت في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت تتألف في معظمها تقريبا من الأجانب ومن المواطنين المسيحيين ومعهم بعض اليهود، الذين أصبحوا بحكم هذا الوضع الجديد أقل انتسابا إلى مواطنيهم المسلمين بل وأكثر انتماء إلى أوروبا. وبقي الأمر كذلك حتى مرحلة متأخرة نسبيا حيث ظهرت بورجوازية اسلامية حديثة قادرة على أن تفرض لنفسها بعض الثقل الاجتماعي والسياسي، بورجوازية غير مكبوتة كسابقاتها من بورجوازيات أهل الذمة التي كانت مكبوتة بالعزل الاجتماعي وبتحريم الاختلاط بالطبقة الحاكمة وبالأغلبية الاجتماعية. وبقيت هذه البرجوازية الجديدة ذات مدى وزمن محدودين، بينما كانت بلدان عديدة تمهد الطريق لعناصر أخرى.

فترة التحديث التي امتدت من أواخر القرن العشرين وحتى الزمن الحاضر، عملت، وبشكل كبير، على تقوية مركز غير المسلمين في بعض النواحي وعلى الاساءة له بشكل خطير في نواح أخرى، فقد حقق هؤلاء نجاحة تامة في المجالات المادية، وجعلهم كونهم مسيحيين أكثر انفتاحا على أشكال النفوذ القادمة من الغرب، وهكذا أصبحوا أقدر على الاستفادة من التعليم الغربي ومن المميزات الكثيرة التي هيأها لهم هذا التعليم، مميزات هامة بصورة خاصة في زمن الهيمنة الغربية، ومن الممكن، وبالأمثلة، إيضاح دور الأجانب، ومعهم أفراد من الأقليات في المسائل المالية:

ورد في إحدى وثائق العام 1912 أن أربعين من أصحاب المصارف الخاصة مسجلون في استنبول، وليس بينهم تركي مسلم واحد، وأولئك الذين يمكن أن يعرفوا من اسمائهم يتكونون من اثني عشر يونانية واثني عشر أمريكية، وثمانية بهود وخمسة ليفانتيين (LevnLincs) أو أوروبيين. وهناك قائمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت