اليهود.
كان هناك يهود في شبه الجزيرة العربية بيوم مجيء الاسلام. وكانوا قلة من حيث العدد. وبغض النظر عن الدور الذي كانوا يقومون به، أو الدور الذي نسبته إليهم كتابات التراث التاريخي الاسلامي فيما يتعلق بالظروف التي رافقت سيرة النبي محمد، فإنه لم يمكن لهم أهمية تذكر في التاريخ اليهودي. وكانت الأهمية البالغة جدأ تستأثر بها الجاليات اليهودية الكبيرة النشيطة المقيمة في
جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا - وهي البلدان دخلها العرب بموجة فتح كبيرة خلال القرنين السابع والثامن، والتي شكلت قلب الخلافة الاسلامية. أما يهود الجزيرة العربية فلم يكونوا أنذاك معروفين من قبل دارسي التاريخ اليهودي أو الباحثين فيه.
في ذلك الوقت كان ضمن يهود الشرق الأوسط فرعان رئيسان: أولهما ثقافي والآخر سياسي. ولم يكن الفرعان منسجمين تماما.
ففي المجال الثقافي كانت هناك هوة واسعة بين اليهود الذين كانوا يتكلمون اللغة الآرامية وبين اليهود الأغريق (الهلينيين) . وكان معظم المقيمين في الهلال الخصيب يتكلمون الأرامية، وكانت لديهم ثقافة معبر عنها بهذه اللغة. وقد استخدمت الأشكال (الحروف اليهودية من الأرامية كوسيلة لكتابة كلا التلمودين، البابلي والمقدسي، بالاضافة إلى غيرهما من الكتابات التي كان معظمها كتابات دينية، وتكون الفرع الثاني من يهود الاسكندرية ويهود مدن أخرى واقعة في المقاطعات الشرقية من الامبراطورية الرومانية. وكان هؤلاء قد اكتسبوا اللغة اليونانية، وأصبحوا جزءا من الحضارة الإغريقية التي كانت سائدة في ذلك الوقت،
وإلى جانب هذا التفرع الثقافي كان هناك تفرع سياسي بين يهود الامبراطورية الرومانية أو البيزنطية لاحقة من جهة، ويهود الامبراطورية الفارسية من جهة أخرى، وكانت الأولى تضم بلدان البحر الأبيض المتوسط كلها، بينما كانت الثانية تحكم، بالاضافة إلى الهضبة الايرانية، منطقة العراق، حيث اتخذ الأباطرة الساسانيون مدينة تيفون، (Lacsiphon) عاصمة لهم، وفي هذا الوضع، كانت الجاليات اليهودية القديمة المتعلقة في بابل واخوانهم في فلسطين وسوريا رعايا في امبراطوريتين كان بينهما تنافس مستمر وحروب متقطعة