الصفحة 180 من 212

الجماعات النائية المنعزلة، وبقيت حية فقط في الاستخدامات القضائية والدينية وانتسيت اليونانية، لم يتبن اليهود اللغة اللاتينية إلا فيما ندر. وكان من الطبيعي أن تعيش العبرية، إلا أن استخدامها كان محدودة. وكان الأهم أنها لغة دينية تستخدم في طقوس الاجتماعات الطائفية، وفي الشعر أحيانا، وفي الأدب المحصن بصورة أعم، ولكن من أجل معظم الأغراض، فإن اللغة العربية مي التي احتلت مكان العبرية ومكان جميع اللغات الأخرى التي كان يستخدمها اليهود فيما سبق، وأصبحت العربية لغة العلوم والفلسفة ولفة الدولة والتجارة، بل لغة الكهانة اليهودية عندما بدأ المعتقد اليهودي يتطور بتأثير من الاسلام. وقد كتب كل من «يهودا الليفي، (Yahuda hua levi) و «الميمون، عن الشريعة اليهودية باللغة العبرية، ولكنهما عندما رغبا في تقديم الفلسفة فقد استخدم كلاهما اللغة العربية، التي ملكت المصادر اللغوية الضرورية. وسيطرت العربية على كل مكان في الامبراطورية الاسلامية فيما عدا أجزاها الشرقية القصوى، إيران وما بعدها، وحتى هناك، بقيت اللغة العربية، وإلى حين، هي اللغة السائدة، ولو ظاهرية ضمن يهود فارس، وضمن فرس آخرين. ولكنها لم تصبح اللغة المحكية. وفي إيران ومناطق شرقية أخرى ظلت الفارسية هي اللغة المحكية. وفي وقت لاحق، وبشكل جديد، استعادت الفارسية مكانتها في الأدب. أما في غرب إيران فقد أصبحت اللغة العربية، لا لغة الدولة والأدب فحسب، بل أصبحت أيضا لغة التخاطب اليومي. وقد تبني اليهود العربية وجعلوا منها لغتهم الأم، تماما كما سبق أن فعلوا مع عدد محدود من اللغات الأخرى موال تاريخهم، وكان هذا مناقضة بشكل صارخ مع وضع مسيحية العصور الوسطى، حيث لم يستخدم اليهود اللغة اليونانية إلا بصورة محدودة جدا، ولم يستخدموا اللاتينية قط.

ويظهر التاريخ اليهودي نمطين متناقضين من العلاقات الثقافية بين اليهود وجيرانهم. في النمط الأول يندمج اليهود ثقافية في المجتمع الذي يعيشون فيه، مستخدمين اللغة نفسها، ومشاركين إلى حد بعيد في القيم الثقافية نفسها، مثلهم مثل الأغلبية المحيطة بهم. وهذا هو الحال في أوروبا الغربية الحديثة وفي أمريكا.

والنمط الآخر نمط يكون فيه اليهود مختلفين لغوية وبالتالي ثقافية مستخدمين لغتهم العبرية، أو - وهو الأكثر شيوعا - مستخدمين لغة معينة أخرى كانوا قد أتوا بها من مكان ما، محولة إلى لغة يهودية مستخدمة من قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت