الصفحة 184 من 212

المعاصر.

لقد سبق أن أتينا على مسائل العلاقات المتبادلة بين اليهودية والاسلام والايحاءات التي أثر كل منهما بها على الآخر. وغالبا ما يكون صعبة، ومستحيلا أحيانا، القول عن هذه الشعيرة أو تلك، أو عن هذه الفكرة أو تلك، أيتهما السابقة وأيتهما اللاحقة، وبالتالي أي منهما هي تلك التي أوحت الأخرى أو تأثرت بها. والأمر الأسلم حاليا استعمال صيغة حيادية والتحدث عن سلسلة من التماثلات المدهشة بين التطورات اليهودية وما يوازيها من تطورات في الاسلام، وفي بعض القضايا، تشير الحقائق البسيطة للكرونولوجيا، وبصورة لا تقبل الشك، إلى أي التطورات في الأصل وأيها هو الذي استقبل الإيحاء أو التأثير، وفي تطورات أخرى يكون البت بخط التطوير هو الأصعب،

كان الحاخام المتوفي إنياز ميبوم، (Ignor Haibaum) ، وهو حاخام لندني، كان ذات مرة منهمكة في جدل عنيف مع بعض زملائه من الأحبار المتزمتين على صفحات مجلة اسبوعية يهودية. وعند نقطة ما، ذكر حاخام متشدد في إحدى الرسائل أن الأحبار الاصلاحيين هم مجرد رجال كنيسة يهود». وكان قد قصد بهذه العبارة الاشارة إلى أن هؤلاء الأحبار قد حانوا عن العرف اليهودي الأصولي. وكانوا يقلون طرائق الكهنة والرهبان المسيحيين، ورد ميبوم، على ذلك بقوله: إذا كان الأحبار الإصلاحيون يمكن أن يوصفوا بأنهم اكليروس يهودي، فإن من الممكن أن يوصف الأحبار المتشددون وبشكل مساو تمامأ - بأنهم «علماء (*) يهود.

إن معنى هذه الاتهامات المتبادلة صريح تماما، فهناك حقا تماثل معين بين موقع علماء الدين في الحياة الاسلامية وموقع الحاخامات في الجماعات اليهودية المتشددة. فالعالم والحاخام لا ينصبان رسمية. وليس لكليهما مكتب كهنوتي أو وظيفة كهنوتية. واليهودية والاسلام ليس عندها قرابين مقدسة أو مذابح كنسية أو ترسيم كهنوتي أو توسط رهباني. وليس هناك وظيفة دينية يستطيع من خلالها العالم أو الحاخام أن يؤدي ما لا يستطيع أن يؤديه وبالمستوى نفسه من الاتقان، أي ذكر بالغ راشد مؤمن يمتلك المعرفة اللازمة وكلاهما رجل دين محترف، لكن كلا منهما راهبة بأي معني من المعاني. وكلاهما يكتسبان مركزهما عن طريق المعرفة، عن طريق التعلم، وعن طريق

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*) العلماء Ulema: المقصود بها علماء الدين الاسلامي حصرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت