وهناك فرق أخر ملفت للنظر في مفهوم الاستشهاد، والظروف التي يصبح فيها الاستشهاد واجبة ملزمة، وهناك عرف يهودي - مسيحي فيما يتعلق بالاستشهاد الذي بموجبه يتحتم على المؤمن أن يكون مستعدة للتضحية بحياته بدلا من التنكر لمعتقداته الدينية - وما يزال اليهود يكرمون الشهداء حنا وأبناها، والحاخام «أكينا، (Akiva) ومجوعته ويكرمون كثيرين غيرهم. وكان هذا العرف نفسه مصانة من قبل المسيحيين، وأيضا من قبل اليهود المقيمين في البلدان الميسحية، حيث لم يفتقد اليهود فرصة تطبيق هذا العرف. والمسيحية ديانة قدمت الشهداء كما أوجبت تقديمهم.
في العالم الاسلامي، تبنى المسلمون ومن كانوا تحت سلطتهم - ربما باستثناء جزئي للمسلمين الشيعة - تبنوا آراء أكثر اعتدالا. ففي أية سبق ذكرها أن القرأن ينص على أن «لا إكراه في الدين» . وقد فسرت هذه الآية بمعنى أن الناس لايمكن ولا يجب أن يرغموا على تغيير أديانهم، إلا إذا كانوا، طبعأ، كفارة أي عبدة أوثان، وهي الحالة التي لا يستحق فيها هؤلاء أي تقدير. ولكن كان هناك تلة - إن وجدت أصلا من الكفار أو الوثنيين في أواسط البلدان الاسلامية، حيث نشأ ذلك العرف، ومنها استمدته الذاكرة التاريخية الجاليات، وبالنسبة إلى المسيحيين واليهود الذي كانوا مقيمين تحت الحكم الاسلامي، كان من النادر أن تطرح مسالة الإكراه على تغيير الديانة، ومن ثم مسالة الاستشهاد. ولم تطرح المسالة ذاتها بالنسبة إلى المسلمين أنفسهم إلا في القرون المتأخرة
من جهة أخرى، ينص الاسلام فعلا على فكرة الاستشهاد الذي عبر عنه بكلمة تحمل المعنى نفسه، فالكلمة الاسلامية التي تعني «الشهيد» مشتقة من الجذر العربي «شهد» ، وبذلك تكون ذات صلة بالعبارة اليونانية «مارتيروس» (Martyros) . وتستخدم هذه الكلمة العربية عادة لتعني «من يقف أمام القضاء ليقول ما عنده - غير المدعي وغير المتهم -، ويقال لهذا الشخص «الشاهد» . وكلمة شهيد، مشتقة من الجذر نفسه. غير أنه والشهيد» المسلم مختلف تماما عن «الشهيد» اليهودي أو المسيحي. فالشهيد في الاسلام هو من يقتل في المعركة وهو يجاهد في حرب مقدسة في سبيل الإسلام. وبما أن الجهاد واجب ديني مفروض على المؤمنين، فإن أولئك الذين يقومون بهذا الواجب فيقتلون وهم يؤدونه يعتبرون شهداء بالمعنى الاسلامي المميز لهذه العبارة، ويكونون مؤهلين